الجبهة الشعبية تحسم أمرها

نشر 01 مايو 2010 | 11:24

بقلم: د. إبراهيم حمّامي

 

بعد طول انتظار وكثير من التكهنات، وحديث المع والضد، والتلون التبدل، قررت الجبهة الشعبية أو لنقل قيادتها في الداخل، حسم أمرها واتخاذ الموقف الذي كان يعرفه الجميع، لكن تلك القيادة كانت تحاول تجميله، خاصة بعد 'إخراج' ملّوح من سجون الاحتلال ليتحول 'لياور' خاص يجول مع عبّاس في جولاته، ويجلس تارة على يمينه وأخرى عن شماله، مطلقاً التصريحات هنا وهناك عن دور وأهمية ومرجعية وشرعية المنظمة التي لا تمثل أحداً بشكلها الحالي، والتي تمنحها الجبهة الشعبية الغطاء المطلوب من خلال المشاركة في جلسات التنفيذية والمركزي، والبصم على قرارات عبد ربه التي يعدها بمفرده كما سبق وصرح المجدلاوي نفسه، عندما قال تعقيباً على بيان للمنظمة إياها، إنه صيغ من قبل أحدهم منفرداً.

 

الجبهة الشعبية في الداخل المحتل اليوم، ومعها كل فصائل اليسار دون استثناء تعتاش وتترزق من فتات أوسلو ودايتون، تنتظر راتب أول كل شهر، وبهذا الراتب تنتزع المواقف المؤيدة للمنظمة وقراراتها، لكنها ودون خجل ولا حياء تزاود ولا تعارض حكومة فياض مثلاً لأنها تحترم الاتفاقات، نفس الاتفاقات التي بصموا عليها وبإرادتهم – أو براتبهم.

 

الجبهة الشعبية في الداخل أصبحت تابعاً مطيعاً لفريق عبّاس – فيّاض، هذا يعرفه الجميع ولا يجادل فيه أحد، لكن يبدو أن المهمة المنوطة بهم تتطلب فتح معركة شرسة ضد غزة وصمودها، يتحدثون اليوم عن معارضة ونظام وحق دستوري، وهم من يعارضون تلك القرارات ليل نهار لأنها نتاج أوسلو!

 

يجالسون ويسامرون من سلّم زعيمهم الأسير سعدات الذي يبدو أنهم نسوه أو ارتضوا أن يبقى في غياهب السجون، يتعانقون مع من أهان نائبتهم خالدة جرار وأوقعها في فخ مهين ونعني هنا الطيراوي، يتعاملون في الضفة مع فياض وهو ليس فقط نتاج أوسلو التي يرفضونها رغم أنهم أقروها في مستنقعات منظمة التفريط المسماة زوراً منظمة تحرير، بل فياض حتى من خلال أوسلو التي مررتها 'الشعبية' وفصائل اليسار غير شرعي ومغتصب للسلطة، باتوا أقرب لتقديس عبّاس وهو المنتهي الصلاحية والولاية والشرعية، يتحدثون عن حقوق المواطن في غزة ويتركون مواطن الضفة ليُقتل ويٌنكل به، يتغنون بالمقاومة في غزة ويتبنون موقف فياض بالمقاومة السلمية عبر الكنافة والمسخن، أي نفاق هذا.

 

كنا قد تناولنا في أكثر من موضوع نفاق وانتهازية ومزاودة اليسار الفلسطيني البائس، ولم نلق من الردود إلا التباكي على الماضي التليد، وتعديد الانجازات – منها الحقيقي الذي يحق لكل فلسطيني أن يفخر به ومنها انجازات وهمية لا وجود لها – وطرحنا وتحدينا، لكن اليوم وصلنا الرد والجواب الشافي – لقد تحول اليسار الفلسطيني في الداخل الفلسطيني على الأقل لمجرد أداة رخيصة في يد وكلاء المحتل وأحذيته من تجار القضية.

 

للأسف، فقدت قيادة الجبهة الشعبية في الداخل بقايا الاحترام، وهي تقف في صف مجرمي أوسلو ممن يفرضون الحصار على غزة، فقدت كل مصداقية وهي تنتقي الحرص المزعوم على الشعب حتى في قضية الضرائب والتي تطبق بناء على قانون فرضته أوسلو ومعمول به في الضفة المحتلة ازدواجياً.

 

أيهما أخطر ضرائب الدخان والسجائر والمحال التجارية، أم امتهان الإنسان وكرامته وبيع الأوطان التي يقبلون بها من خلال منظمة العار ومن يقودها من السماسرة والتجارة؟

 

ما الذي ستحققه قيادة الشعبية بفتحها لتلك المعركة؟

 

تحسين وضع غزة؟

 

لم يكون في ظل الحصار – فضح ممارسات حماس كما تزعم في الضغط على المواطنين وفرض الضرائب؟

 

وما هو المطلوب مثلاً الاستسلام للحصار؟

 

ما الذي تريده الشعبية تحديداً ليتهم يردون؟

 

الجواب الوحيد لدينا هو المزيد من الضغط على غزة وحكومتها، والمشاركة المباشرة في الحصار من خلال حملات تشويه عبر البيانات والمناشير وأساليب الغوغاء، لأن ثمن الراتب يبدو أنه تغير.

 

ترى هل تستطيع الشعبية أو غيرها أن تتنفس في الضفة بمنشور؟ لتتذكروا يا رفاق أن الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي طالب حزب الشعب مُنع في الضفة رغم أن الاحتفال كان على قاعدة الدبكة وهز الكتف بحنية، ولتتذكروا أن حتى قيادات فتح من أصدقاء دحلان قائد تيار التمرد والفلتان دخلوا غزة وخرجوا بسلام، تذكروا أن نواب الشعب الفلسطيني المنتخبين (وقد شاركتم في الانتخابات) ممنوعون حتى من دخول مكاتبهم.

 

حماس ليسوا ملائكة ولا قديسين، ولست هنا بصدد الدفاع عنهم، بل أقول وبصراحة أن لي ملاحظات كثيرة كانت أحد أسباب الإقلال من الكتابة والتفاعل في المدة الماضية، بل إن لديهم أخطاء لا يمكن لعاقل أن ينكرها – آخرها أنهم أولوا بيان الشعبية الأخير اهتماماً لا يستحقه ورفعوا من شأن من لا يستحق – لكن علينا أن نتذكر أن وضع غزة ليس وضعاً طبيعياً في دولة مزدهرة لها ميزانية ومصادر دخل، وتجارة حرة وتصدير واستيراد، ناهيك عن الحصار والتشديد والعدوان المتواصل، ورغم ذلك فإن أسعار المواد فيها أقل من أسعارها في الضفة – على ذمة سفيان أبو زايدة الذي زار القطاع مؤخراً، أم أن للرفاق رأياً آخر؟

 

كما حددتم موقفكم اليوم، نحدد موقفنا منكم: لقد أكرمكم الشعب الفلسطيني في الداخل كثيراً عندما منحكم مجتمعين 2% من أصواته، لأنكم لا تستحقون حتى هذه النسبة، لقد بتّم منظري النفاق والمزاودة، وقد فقدتم حتى ورقة التوت، ولو بقيتم تتغنون بأمجاد الماضي ليل نهار ولعقود من الزمان!

 

بالتأكيد، سيُقال لم تترك لك صاحباً وأنت تفتح النار على اليسار برمته، وهنا نقول: الوطن والقضية أكبر من المجاملات والشعارات – حتى لو بقيت وحيداً.

 

لا نامت أعين الجبناء – وأنتم منهم.