ويسألونك عن الميثاق .. الحلقة الثالثة

نشر 01 مايو 2010 | 11:22

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

أثبتت ( الحادثات ) أن م.ت.ف وفـِـيـَّة لما وقعت عليه والتزمت بالإملاءات التي أثقلت كاهلها التزاماً حديدياً، وفي زمن قياسي، ولم يكن مصادفة أن يتم شنق الميثاق بين يدي كلينتون سنة 1998، بل قبل ذلك بسنين؛ حيث جاء في ديباجة ( الحكم ) أن المجلس الوطني إذ ينعقد في دورته الحادية والعشرين، وإذ ينطلق من وثيقة إعلان الاستقلال و البيان السياسي في الدورة التاسعة عشرة المنعقدة في الجزائر في 15 نوفمبر ( تشرين الثاني سنة 1988 و التي نصت على اعتماد الدولتين و أكدت مبدأ حل النزاعات بالطرق السلمية ) أقف قليلاً؛ إذن فكرة التنازل عن الأرض الفلسطينية المحتلة سنة 1948 كانت حاضرة في ذهنية القادة الكبار مختمرة قبل عشر سنوات من مجيء كلينتون إلى مناقشات الدورة الحادية والعشرين باعتماد حل الدولتين دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية، والدولة لا تقوم إلا على أرض يملكها ( للأبد ) شعب له السيادة المطلقة عليها طولاً و عرضاً و ارتفاعاً إلى السماء و عمقاً بعمق الكرة الأرضية ، و يلاحظ أن هذا الإعلان ( ينطلق ) من وثيقة إعلان الاستقلال ...

 

لا من اتفاق فلسطيني إسرائيلي و ليس له من ضمانات دولية، ولا مرجعية عربية، وليس له من غطاء قانوني من أي جهة كانت.. مجرد صرخة في هواء ارتد صداها إلى سمع ( الصارخ ) بعد أن ألزم نفسه بها ، ولم يصل إلى سمع الخواجا منها إلا ما أكد له أن من ادعى عليه على مدى أربعين عاماً بأنه اغتصب أرضه و شرده منها وذبح أهله و بقر بطون نساء من قومه وشنق أطفاله وقطع الأجنة بسيوف مبردة ها هو يتنازل طواعية أو يأساً أو (لاحتمال ثالث)، في الوقت الذي تتأجج نيران الانتفاضة و تتحول الأرض الفلسطينية إلى لهب تشوي الاحتلال، في الوقت الذي تهرس هراوى رابين عظام الشباب ورؤوسهم و تمزق أكباد الحرائر.

 

أعلن عرفات الاستقلال بصوت يتصاعد وذراعه اليمنى تضرب الهواء بعنف و أمامه ( الدورة ) التاسعة عشرة يمزق تصفيقها الأفق، وما أن أنهى حتى خرجت مسيرات عارمة من أنصار المنظمة وفتح على وجه الخصوص يجوبون الشوارع، ولتصاريف القدر كانوا يهتفون ( نموت و تحيا فلسطين ) أي فلسطين هذه التي سيموتون من أجلها؟ أهي فلسطين 48 أم 67؟ أم هي ما بقي منها بعد المستوطنات؟ أهي فلسطين بالقدس أم بدونها؟.... لم يكونوا يعلمون ماذا يعني حل الدولتين ، و لم يكونوا يعلمون ما يجري في دهاليز السياسة و لا معنى التأكيد على حل النزاعات بالطرق السلمية ، كان (الخارجون ):

 

كريشة في مهب الريح تائهة ....لا تستقر على حال من القلق

 

إلا أنه قلق في الظاهر ، لا ذلك القلق المنبعث من قلب منتبه و يقظ.

 

تم تضيف الديباجة ( وإذ يستند ) أي المجلس الوطني ( إلى مقدمة اتفاق إعلان المبادئ الموقع في 13نوفمبر ، أيلول ) ، أي ما كان في واشنطن و في حديقة البيت الأبيض حيث جرت أشهر مصافحة في القرن العشرين ما بين عرفات و رابين ، و فيه كان التوقيع على اتفاقية أوسلو التي أعطت اليهود كل شيء ، و تنازل فيها عرفات عما لا ينبغي لفلسطيني أن يتنازل عنه، فقد شطب من الحق الفلسطيني أكثر من ثلاثة أرباعه ( 78%) و تنازل ( بالتلازم ) عن حق عودة من طردهم يهود منها، في الوقت الذي لم يتوقف شلال الدم الفلسطيني عن العطاء، ولكنه عرفات الرمز الذي لا يمكن أن يقدم على مثل هذه الخطوة غيره، تحركت بها قدمه في الوقت الذي يقول للعالم ( أنا قوي ) بالانتفاضة، ولست ضعيفا، إذن فهو يتنازل بملء إرادته، وكامل قوته النضالية !! ومن حوله أعلى هيئة برلمانية اسمها المجلس الوطني! و ما أن نزل حتى هاجت موجة من (التبويس) فأخذ الكل يبوس الكل؛ رجالا و نساء، حقا إنه انتصار يستحق به عرفات ( نوبل ) للسلام، وحـُق له أن يرفع أصبعيه بعلامة النصر حتى يأتيه اليقين !!

 

و إلى حلقة أخرى