القوة في القرن الشبكي

نشر 30 ابريل 2010 | 01:08

بقلم: د. أحمد نوفل

 

هذا عنوان مقال للدكتورة آن ماري سلوتر عميدة معهد ويدرو ويلسون للشؤون العامة والدولية، وأستاذ السياسة والشؤون الدولية في جامعة برنستون. وتشغل حالياً مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية. وأحب أن أتخير من بين هذه المقالات المهمة لألخصها لكم وأعرضها بين أيديكم، فجميل أن تعرف عدوك، ومهم أن تعرف كيف يفكر.

 

تقول الكاتبة في بداية مقالها كمدخل تدخل منه إلى موضوعها: 'نحن نعيش في عالم شبكي (Networked)، فالحرب شبكية، حيث تعتمد قوة كل من الإرهابيين، (هم الإرهابيون) والقوات المعنية بمكافحتهم (هم أي الأمريكان الشهداء على الناس وبيطلعلهم!) تعتمد على مجموعات صغيرة من المقاتلين ترتبط ببعضها، وبالمخابرات وبوسائل الاتصال وشبكات الدعم، والدبلوماسية شبكية، حيث تتطلب إدارة الأزمات العالمية..' والأعمال كلها شبكية، وضمنت كلامها إن الأقدر من يتمكن من حشد شبكات عالمية من الأطراف العامة والخاصة. وقالت إن العالم في العقد الأخير صار يتحول من 'العالم الرأسي المعتمد على التنظيم الهرمي، إلى العالم الأفقي المعتمد على الشبكات'.

 

وتواصل الكاتبة ضرب الأمثلة على العالم الشبكي، فتقول: ووسائل الإعلام شبكية، حيث تعتمد المواقع الإلكترونية الإخبارية والأشكال الأخرى من وسائل الإعلام التشاركية على مساهمات القراء من أجل خلق حوار شبكي واسع. والمجتمع شبكي. وضربت الكاتبة أمثلة بمواقع مثل: (My space) و(our space) حيث تؤدي إلى ما أسمته 'خلق عالم كوني' رابطاً بين مئات الملايين من الأشخاص عبر القارات، ثم تكلمت عن محاولة أن تكون الكنيسة شبكية، بمعنى ربط ملايين الكنائس عبر العالم بشبكة واحدة. ثم تكلمت عن طبيعة نفسية تتحدث عن أن الرجال يميلون لرؤية العالم مكوناً من تنظيم هرمي للسلطة، ويسعون للوصول إلى القمة، بينما تميل النساء لرؤية العالم مكوناً من شبكات من العلاقات، ويسعين للانتقال إلى المركز. وأشارت الكاتبة إلى دراسات من بينها دراسة فريد زكريا 'عالم ما بعد أمريكا' (وقد قدمنا ملخصه قبل وقت قصير) وقد تحدث فيه عن صعود قوى أخرى كالصين وهبوط نسبي لأمريكا، تقول: ورغم ذلك فإن العالم الشبكي الناشئ في القرن الواحد والعشرين يوجد فوق الدولة، وتحت الدولة، وخلال الدولة، وفي هذا العالم، ستكون الدولة الأكثر اتصالية هي الطرف المحوري القادر على وضع الأجندة العالمية، وعلى فتح الأبواب أمام الابتكار والنمو المستدام، وهنا، تمتلك الولايات المتحدة ميزة واضحة.

 

وتقول الكاتبة إن ميزة الولايات المتحدة متأصلة في السكان والجغرافيا والثقافة. ثم تبين كيف جعلت الولايات قلة سكانها (20 إلى 30% من سكان الصين أو الهند) جعلتها ميزة، وكيف وظفت التنوع السكاني في توسيع قدرتها على التأثير عبر العالم. ونبهت إلى ضرورة 'أن تنظر الولايات المتحدة إلى المهاجرين إليها باعتبارهم روابط حية مع بلدانهم الأصلية، وأن تشجع التدفق في الاتجاهين.

 

ثم تشير إلى موقع الولايات المتحدة الجيوسياسي وكيف حمى المحيط الهادي والأطلسي الولايات المتحدة من الغزو.

 

وتقول إن أوباما سيبدأ في استعادة السلطة الأخلاقية للولايات المتحدة. (انكشف الزيف، هي لم تكن سلطة أخلاقية بقدر ما كانت دعاية وزينة وادعاء كاذباً وتطاولاً، وإلا فإنها هي راعية الظلم والدكتاتورية والإرهاب..)

 

ثم عادت إلى تنوع السكان، وكيف يستطيعون 'مع السياسات الصحيحة' أن يربطوا وطنهم الجديد (أمريكا يعني) بالأسواق والموردين في أوطانهم القديمة، كما يستطيع قطاع الأعمال أن ينسق بين الشبكات الدولية من المنتجين والموردين..

 

وتحت عنوان: 'الحياة في مجتمع شبكي' قالت الكاتبة: 'في سنة 2000 اتخذت شركة أمريكية (جامبل) قراراً بتحديث أسلوب عملها في القرن الواحد والعشرين، فافتتحت محفظة براءات اختراعها، جاعلة كل تركيباتها متاحة لكل من يرغب في دفع ثمن الترخيص للسماح له بصناعتها.. وهم الآن يتطلعون إلى مجموعات بعيدة جداً من المبتكرين حول العالم وعلى الإنترنت، حيث يتجمع المبتكرون على موقع Innocentive الذي يشبه مزاداً علنياً للأفكار على الإنترنت، سماه بعضهم: 'سوق الأفكار'، تجمع بين أناس يسعون لبيع أفكارهم وشركات تسعى لشراء تلك الأفكار. (هذه الشركة كما يقول المترجم انتقلت من تصنيفها ضمن أكبر 500 شركة في العالم إلى ثامن أكبر شركة سنة 2008)

 

وتضرب الكاتبة أمثلة من عدة شركات من مثل IBM وغيرها، ومن ضمن الأمثلة شركة 'فنج' وهي أنجح شركة في توريد الصادرات، ووظيفة الشركة أن تحدد الموردين من أكثر من 40 دولة في العالم، وتتصل بهم من أجل أن تلبي طلبات محددة، ولا بد أن تأتي الشبكات الناتجة عن ذلك سريعة ومرنة وقادرة على العمل على مستوى عال مشترك. إن سر نجاح التوريد هو تحقيق التناغم بين الشبكات.

 

بداية، قد تبدو هذه الشبكات الكونية، وكأنها مجرد الجيل التالي من مقاولات التوريد، لكن ما يحدث هو شيء أعمق، فمقاولات التوريد تتطلب قيادة مركزية تحدد بدقة ماذا وكيف يجب أن ينتج المزيد، ومن ثم، ومن خلال تنظيم هرمي قائم ومستقر، ترسل قراراتها إلى المنتجين لكي ينتجوه من دول متعددة، لكن على العكس، في النظام الذي نتحدث عنه، تصبح سلاسل التوريد 'شبكات للقيمة، ويصبح الموردون شركاء، وبدلاً من مجرد توريد المنتجات، يشاركون بالفعل في تصميمها. وتعد شركة بوينغ Boeing على وجه الخصوص مثالاً ناصعاً، على اعتبار أنها يمكن النظر إليها باعتبارها قلب الصناعة ذات الطراز القديم، لكنها قد تحولت من كونها صانعاً للطائرات إلى 'دامج للنظم'، معتمدة على شبكة أفقية من الشركاء، الذين يتفاعلون معها لحظة بلحظة، وهم يقاسمونها المخاطرة والمعرفة من أجل أن يحققوا مستوى أعلى من الأداء، وهو ليس مجرد تغيير بسيط في الشكل، ولكنه تغيير في الثقافة.

 

إن التنظيم الهرمي والسيطرة يتراجعان أمام تجمعات التشارك والتنظيم الذاتي. ويمكن لشركة أن تكون في جوهرها صغيرة جداً، أو حتى ليست أكثر من نقطة التقاء مركزية لقادتها ومديري الكيانات المندمجة فيها، لكنها من خلال الشبكات الصحيحة تستطيع أن تصل إلى أي مكان يوجد فيه المبتكرون والمصانع وموردو الخدمات. وفي هذا العالم كما يقول ويليامز: 'المتصل فقط سيستمر في الحياة'

 

ثم ضربت أمثلة بالمنظمات غير الحكومية التي أدركت كذلك قوة الاتصالات وأعطت مثالاً 'الحملة العالمية لخطر الألغام'، التي بدأت سنة 91 بتحالف بين ست منظمات غير حكومية من أمريكا الشمالية وأوربا، وقد نمت حتى أصبحت تضم أكثر من (1100) مجموعة في حوالي ستين دولة. ومع الاتساع اكتسبت نفوذاً، وبعد أن فازت بجائزة نوبل سنة 97 ضغطت بنجاح في اتجاه عقد اتفاقية دولية لحظر الألغام (رفض التوقيع عليها أمريكا وروسيا والصين ودول أخرى..)

 

وفي سنة 95 بدأت مجموعة صغيرة من منظمات حقوق الإنسان في المطالبة بإنشاء محكمة جنائية لمحاكمة مجرمي الحرب، وتأسست المحكمة سنة 98، وتضم الآن أكثر من (2000) منظمة من كل الأرض.

 

وشكلت شبكات عابرة للقوميات ضاعفت من قدرتها على الضغط. قال رئيس جائزة نوبل: 'إن حشد وتركيز الاهتمام الجماهيري العريض الذي شهدناه يحمل وعداً يتجاوز حدود القضية المطروحة، ومن الواضح أنه قد أرسى أسلوباً لكيفية تحقيق الأهداف السياسية على المستوى العالمي.

 

وتعليقنا على هذا الجزء من المقال الذي سنواصله في حلقة تالية إن شاء الله:

 

1- في الوقت الذي يتجه العالم فيه نحو مزيد من التواصل والشبكية ينعزل العالم العربي في قوقعته القطرية، وفي داخل كل قطر قواقع عنصرية وجهوية.

 

2- الأقوياء بالتنظيم الشبكي يزدادون قوة، والضعفاء بالتقسيم الهمجي يزدادون ضعفاً. وكأنه ينقصهم عوامل وهن وضعف.

 

3- المنظمات غير الحكومية تغلغلت فيها الصهيونية ووجهتها إلى خدمة أهدافها، مثل منظمة محاكمة مجرمي الحرب، طالبت فقط بمحاكمة البشير ودافعت عن أولمرت ونتنياهو!

 

4- على الحكومات العربية أن تطلق يد المنظمات الشعبية غير الحكومية، فالقوة المجتمعية قوة للجميع، أم تريدوننا ضعفاء جميعاً؟

 

وسلام على المؤمنين الأقوياء 'المتشابكين'!