بقلم: د. عطا الله أبو السبح
قبل حوالي اثني عشر عاماً؛ وبالتحديد يوم 14/12/1998 وفي الجلسة الثانية والعشرين للمجلس الوطني الفلسطيني، تم إعدام المغفور له الميثاق الوطني الفلسطيني، التزاما باتفاق واي بلانتيشن على مسرح رشاد الشوا ( في سابقة تاريخية ) كقربان بين يدي بيل كلنتون، الذي تعطف وزار قطاع غزة ، وحل ضيفاً عزيزاً على الرمز الفلسطيني الكبير ياسر عرفات ، الذي ذبح له أعز ما يملك ( الميثاق) متجاوزاً حاتم الطائي الذي ذبح لضيفانه فرسه التي كانت أعز ما يملك ، وشتان شتان بين من يذبح فرساً ، وبين من يذبح إرادة شعبه ومقدساته ومنطلقاته ؛ الذي قدم عشرات الآلاف من الشهداء والأسرى والجرحى فداءً لها.
وباعت زهرات فلسطين أقراطهن وقدمن عيدياتهن، إلى جانب مليارات الدولارات التي قدمها الشعب الفلسطيني في مهاجره ، للحفاظ عليه ، وتعزيزه والاستمساك بأحرفه، وعلامات ترقيمه ، فلقد دأبت المنظمة على قص 5% من رواتب العاملين لسنوات وسنوات ، كما دأبت على قبض الملايين لتمضي قدماً في تنفيذ مواده ومنطلقاته ، وتحقيق أهدافه ، وفي لحظة كالبرق مهد عرفات لإعدامه بكلمة ( كوداك ) يوم 24/4/1996 في دورة المجلس 21 ، لم يسبق لها الدخول في قاموس السياسة العربي ، فضلاً عن الفلسطيني ( فيما أعلم ) ، وحار عقلي في كيف خطرت على بال الرجل ؟ ولماذا اختارها في وصف الميثاق الذي لم يمض عليه إلا 32 سنة ( فيما أعلم ) منذ أن عقد المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول في فندق الإنتر كونتيننتال في القدس سنة 1964 ، بعيد ميلاد الكيان الفلسطيني من رحم مؤتمر القمة العربي الأول سنة 1964.
وتكليف المرحوم أحمد الشقيري برئاسته؛ وهو رجل القانون البارع، وفارس المنابر ، والمناضل الفلسطيني الفذ ، ومندوب سوريا ثم السعودية في الأمم المتحدة ، كانت كلمة عرفات بمثابة ( الأنشوطة ) التي أحاطت عنق الميثاق ، حتى جاءت ساعة التنفيذ، وكانت بين يدي كلنتون ( كما أسلفت ) فضرب عرفات بقدمه الكرسي الذي يقف عليه الميثاق ليتدلى مشنوقاً بلا حياة، وقد عجت القاعة بالتصفيق وقوفاً للزائر الكريم الذي لوح للمناضلين جداً بيديه ثم فرد باعه ، كما لو كان يهم بضم عشيقته اليهودية مونيكا ليفنسكي إلى حضنه، وقد اجتاحته فورة عارمة من النشوة ، فلقد أطاح برأس من نص على الإطاحة برأس آباء مونيكا وقومها ، ( ويزعم ) أن فلسطين عربية ، فرد الحق لأهله ؛ أي أقر لليهود بأن الرب أعطى لهم فلسطين ووعدهم بملك لا يبلى.
وما نحن إلا حفنة من اللصوص أو قطاع الطرق، الذين كانوا يمارسون الإرهاب ضد يهود وأرضهم ووجودهم ، ويهودية دولتهم ،وها نحن اليوم نعلن عن ذلك توبتنا وبراءتنا من هذا الميثاق الكوداك ، أي ( عفى عليه الزمن ) وقد كان بالأمس هو الناظم لأمجادنا ونضالنا المهيج لمشاعرنا ، الباعث لثورتنا ، الراسم لطريقنا ، المعبر عن إرادتنا وأهدافنا وغاياتنا ، التي نسترخص أرواحنا ودماءنا لتحقيقها.
في لحظة من ذلك اليوم الذي انزوى في زاوية حرجة من النسيان ، نسف عرفات كل ذلك بشنقه الميثاق !! ومن يومها لم يعرف له قبر ، ولم يعد يذكره ذاكر ، كما لو كان ذنباً سأل المناضلون الله أن يغفره لهم ، بعد أن تابوا منه توبةً نصوحاً ، وأنابوا وعزموا ألا يعودوا إليه ، بل إلى خارطة الطريق وتعاليم العم سام ( دايتون) ، وإلى البروتوكولات كمرجع أساسي ووحيد لتحديد ملامح المرحلة لما بعد أوسلو .. وأرجو أن يسمح لي قارئي الكريم أن أجيب عن السؤال الذي طرحته كعنوان لهذا المقال ( ويسألونك عن الميثاق؟ ) في الأعداد القادمة ، إن أفسح الله لي في الأجل، والتي لا أعرف – بعد – كم سيكون عددها.
إذ أرى من الضروري أن نقترب من روح الفقيد ، وإن كانت قد فاضت إلى باريها ، لنتعرف على الجسد الذي تسكنه ، ورأيناه من بعيد وقد تدلى في حبل المشنقة ، لنسأل : ماذا جنى حتى يحكم عليه بالإعدام ؟ وهل اكتشف (القاضي) جريمته بعد هذه السنوات الاثنين والثلاثين ؟ إذن لماذا كان يتبناه بإخلاص ( ظاهر ) وإصرار ؟ لماذا كان يستمد منه الشموخ والرمزية والثبات ؟ ولماذا استلهم فيه المناضلون كل هذا النضال ؟ وهل الذين ماتوا في سبيل تحقيقه كانوا ضحاياه ؟ هل كان أكذوبة طال تصديقنا لها ثم اكتشفنا فجأة أنها مجرد أكذوبة ؟ وكيف اكتشفوها جميعاً مجرد أن اكتشفها عرفات ؟ لماذا كانوا ينظرون إليه قبل لحظة من ( الكوداك ) أنه الألق ، وعش الفينيق الفلسطيني، وإذا به خرقة بالية أو عش عقارب أو بيت عنكبوت ...؟
قد لا أستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة جميعها ، لأن القلم قد ينزلق إلى مسارب أخرى ، مضطراً بسبب المسارب والمنعرجات التي تسير فيها روح المرحوم أو سارت فيها ، ولكن الشيء الثابت هو أنني سأحاول الاقتراب من الميثاق الفلسطيني المرحوم ... إن أفسح الله لي في الأجل.