بقلم: د. يوسف رزقة
لا جديد في خطاب عباس أمام المجلس الثوري (السبت 24/4/2010) غير خفة الدم وممازحة الحضور حين يأتي على فقرة تتعلق بحماس . خفة الدم هي من مستلزمات (الوفاء للقدس) التي اتخذها عباس خلفية وعنواناً للقاء. في فلسفة عباس الحديثة كان صلاح الدين- رحمه الله- مخطئاً لأنه منع نفسه من الابتسامة والضحك من أجل الوفاء للقدس. عباس عرف الطريق للوفاء من خلال الممازحة والاستخفاف بمواقف حماس وخفة الدم ؟!!.
من مفردات الوفاء للقدس في خطاب عباس الاستخفاف بالمقاومة المسلحة ضد الاحتلال. واتهام دول إقليمية بعرقلة المصالحة وتبرئة الولايات المتحدة و(إسرائيل) . واتهام خالد مشعل بالكذب وأنه قبل بمشروع حل الدولتين ثم تراجع عنه . ومطالبته الإدارة الأمريكية بفرض حل, قائلاً (إفرضوا علينا حلاً) . كان عباس يتحدث مع (إسرائيل) وأميركا بلغة دبلوماسية مؤدبة, حتى إذا تكلم عن حماس كان فظاً مستخفاً وكأن عفريتاً من جن إسرائيلي يتلبسه.
أقل الكلام في خطابه كان عن القدس. القدس لم تستشعر العنوان ولم تحس بدفئه لأن ما جاء في حق القدس مجرد كلمة ونصف حول تجميد الاستيطان ولا شيء بعد ذلك . ليس في خطابه أية إشارة لخطة أو برنامج أو إجراءات عملية من أجل القدس التي جعلها منظمو الاحتفال عنواناً, قائلين: (دورة الوفاء للقدس)؟!.
في ذات اليوم كذّب خالد مشعل في تصريح للجزيرة ما ورد على لسان عباس بأنه قبل بمشروع حل الدولتين الذي يعنى ضمنياً الاعتراف المباشر بـ(إسرائيل) . الرئيس كارتر وقادة آخرون تفهموا رؤية حماس ولم يطالبوها بالاعتراف بـ(إسرائيل), ومحمود عباس الذي قدم اعترافاً مجانياً بـ(إسرائيل) يريد من حماس أن ترتكب العار نفسه وتعترف بـ(إسرائيل) في مقابل أخذ ملاحظات حماس على الورقة المصرية؟! الاتهام التشهيري خطير لأنه ربما يخفي تنازلات خطيرة!!
عباس لم يقدم في خطابه موقفاً سياسياً, ولم يجب عن الأسئلة السياسية التي يثيرها الباحثون حول المفاوضات وسيناريوهات المستقبل, ولم يقدم معلومة واحدة عن مقترحات ميتشل الأخيرة. وجل خطابه كان (مناورة إعلامية) تستهدف الرأي العام الفلسطيني وتستهدف حماس بالتشهير والتجريح . عباس قرر إضافة مصطلح (المقاومة السلمية) لمفردات خطاباته ليتخذها مدخلاً لمهاجمة المقاومة المسلحة التي وصفها بالسخافة مرة وبالعبثية مرة أخرى.
خطاب عباس الذي تميّز بخفة الدم والمناورة. كشف عن نقطة ضعف يعاني منها الرجل, وأعني بها إحساسه أنه لا يتمتع بتفويض سياسي كاف لتمثيل الشعب الفلسطيني في المفاوضات التي ما انفك يؤكد تمسكه بها رغم أنها أسفرت عن وهم وسراب, (وفي أحسن الأحوال دولة مؤقتة بدون القدس).
عباس هرب من ضعفه إلى منظمة التحرير بالقول إنها الجهة الوحيدة المسؤولة عن المفاوضات والجهة الوحيدة المخولة بالتوقيع, واستعاد عبارة رابين التي يعترف بها في المنظمة شريكاً . عباس انزلق لهذا الجدل وهذا الدفاع عن منظمة ميتة بإجماع الفصائل هروباً من افتقاره إلى التفويض الشعبي والفصائلي.
وانزلق إلى منزلق خطير بقوله لواشنطن افرضوا علينا حلاً . وكأن إدارة أوباما تتمتع بالعدل والإنصاف وستأتي للشعب بما هو أفضل من مقترح بيل كلينتون الذي رفضه الراحل عرفات وكان عباس يميل إلى قبوله.