لماذا يتزايد المطبعون في الصحف المصرية؟

نشر 19 ابريل 2010 | 12:06

بقلم: د. عبدالله الأشعل

 

كنت أظن أن الدعوة إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل لا تسمع وتقرأ إلا في الصحف 'القومية' التابعة للحزب الوطني، ولكني فوجئت بأن هذه الصحف بعيدة عن هذه النغمة شكلاً، ولكنها في المضمون تساند موقف الحكومة من إسرائيل, والذي يحرص على دعمها مع ترك مساحة للاعتقاد بالوطنية في هذا الموقف أي معارضة التطبيع شكلاً، ولكن القيام بما هو أهم من التطبيع وهو الدعم والإسناد، في الوقت الذي تحرص فيه نفس الحكومة على نغمة مفضوحة عنوانها دعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، بينما القضية يتم تصفيتها بانتظام.

 

وقد عجبت وتحيرت عندما وجدت بعض الكتاب المنتظمين في إحدى الصحف 'المستقلة' يجند نفسه وقلمه للدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل وإقامة سلام معها، منتقداً بشدة فريق المتشددين العناترة الذين يتحدثون ببلاهة دون أن يتناسب قولهم مع فعلهم يريدون عرض الحياة الدنيا، وأكدت هذه الأقلام أن الدعوة إلى التطبيع هي الفاصل بين المتحضرين والمثقفين وبين المتخلفين والجهلة.

 

وذكرني هذا التصنيف بتعريف المثقف في الستينات من القرن الماضي عندما كان المثقف هو اليساري أو الشيوعي، وهو في الوقت نفسه ينسجم مع عقيدة النظام في المطالبة برفع الظلم عن الفلسطينيين ورفض المشروع الصهيوني.

 

ولا أدري على وجه اليقين هل تفتح بعض الصحف صدرها لهؤلاء من منطلق حرية الفكر أم أن بعض الصحف تسرب هذا الفكر 'الخلاق' كمبدأ والتزام، أم أنها تريد أن تكون ساحة لكل التيارات السياسية والدينية مهما كان رأيها فيها؟ لا أصادر حق الصحيفة في استقطاب مثل هذه الأقلام حتى لو اتهمت بأنها وكر للفيلق العربي الصهيوني، لكن من باب الأمانة وعدم التلبيس على القارئ المسكين يجب التنبيه حتى يميز بين الأفكار، فيبلع أفكار الفيلق من منطق اطمئنانه إلى رصانة الصحيفة، أي أننا يجب ألا نخدع القارئ ونصدمه ونخون أمانة توعيته، ثم أن يختار ما يشاء بعد ذلك.

 

المدهش أن هذا النوع من الصحف قد اجتذب القارئ إليه بحملاته ضد الفساد واستقطاب أقلام قومية تكتب بانتظام، وتلح في المطالبة بالإصلاح، ووسط هذا 'الأمان' الفكري تتسلل الرسالة السامة التي يبثها هؤلاء فيتم ابتلاعها ضمن الوجبة 'الوطنية الساخنة'.

 

لا أمانع أن تكون الصحيفة مرتعا للغزلان ووطنا للأوثان وديرا للرهبان وحتى الشواذ، ولكنها يجب أن تفتح نقاشاً مع هؤلاء. وقد حاولت جاهداً أن أفهم منطقهم لماذا يدعون إلى التطبيع وهل يدركون كل ما ندرك وينطلقون من نفس المنطلقات أم أن بداياتهم تختلف عن بداياتنا؟ بعبارة أخرى هل هناك حجج حقيقية يمكن النقاش حولها أم أنه موقف مصلحي أو نفعي أو يتسم بالجهل بالحقائق. إذا كانوا يدركون الحقائق الخمس التالية ومقتنعون بها، فأنا أول المرحبين بالحوار معهم وأنا على يقين أنهم بعد أن كانوا يتوارون، فإنهم في هذا الزمان يتكاثرون، ولكني واثق أن نور الحقيقة سوف تبدد ظلمات ما يأفكون، وهم يدركون قطعاً أنهم أصوات شاذة، ولكني لا أريد أن أكفرهم سياسياً قبل الحوار معهم، كما لا أريد أن أتهم الصحف التي تفتح لهم صفحاتها بانتظام للإطلال على القارئ المسكين، ولكني أريد أن أنبه القارئ إلى السم الذي ينفثونه في جسد الصحافة المصرية العربية.

 

أما الحقائق الخمس التي تعد بمثابة أركان الإيمان الوطني فهي:

 

الحقيقة الأولى: هي أن إسرائيل مشروع استعماري استيطاني يقوم على أساطير دينية وتاريخية للتغطية على طابعه الاستعماري.

 

الحقيقة الثانية: هي أن المشروع يريد كل فلسطين واقتلاع أهلها بدين يظنون أنه أرقى الأديان وبناء على رغبة إله لا علاقة له بإلهنا جميعاً، ولذلك ستظل إسرائيل مهما عاشت وهماً ورمزاً للظلم والقهر ونموذجاً مجسداً لفجور الغرب الديمقراطي. وما داموا يريدون كل فلسطين وهم الغاصبون، فالأحق بنا الذين نعيش أن نطالب باسترداد كل فلسطين من نجسهم، وأن يقوم السلام بينا وبينهم بعد زوالهم وتنظيف المنطقة كلها من شرهم وذيول غزوتهم الطويلة بعد كنس كل أذنابهم الذين يروجون لهم بيننا.

 

الحقيقة الثالثة: هي أنه مشروع يقوم على اقتلاع أصحاب الحق بالقوة والإبادة، ولذلك فهو مشروع إجرامي من البداية حتى النهاية ولا يمكن تجزئته. وحتى عندما قبلنا بتجزئته ورضينا قهراً بأن اليهود عذبوا وعانوا ونحن مستعدون للاعتراف بقرار التقسيم المفروض زوراً عليناً، كشفت إسرائيل عن حقيقتها الإجرامية فأمعنت في الإبادة والاستيطان والطرد، ووصل الأمر إلى نتنياهو الذي أوضح أن السلام مع الفلسطينيين هو سلام المقابر لأنه يريد كل إرث أجداده وأرغم المنطقة على الخضوع والاستسلام لنزواته بعد أن أخضع عقل الأمة وقلبها من خلال نظامها, وهي مصر العربية الصابرة الأبية.

 

ولذلك من الطبيعي في عصر السقوط أن نسمع هؤلاء وأن يجرؤوا على الكتابة تماماً كما فعل أسلافهم الذين زاغت أبصارهم عن الحق زمن الصليبيين فمالؤوهم فابتلعهم الحق معهم بعد زوالهم، فهؤلاء عنوان مرحلة السقوط التي يسجلها التاريخ بإنصاف.

 

الحقيقة الرابعة: هي أن العرب قبلوا أن يقيموا سلاماً مع إسرائيل بشروط منصفة، ولكنها هي التي ترفض سلامهم وتريد الأرض والأمان لها والخراب والفزع للعرب، فما هو الجديد في دعوة التطبيع التي تريد أن نقر بالمشروع ونسلم به ونقبل يد إسرائيل صباح مساء مع العلم بأن الحق والباطل لا يلتقيان والسرطان لا يتعايش مع الجسد، وإنما النصر لأحدهما، وهو في حالتنا النصر لصاحب الحق الذي سيرى الباطل زهوقاً بإذن الله.

 

الحقيقة الخامسة: هي أن هذه الأصوات العابثة التي تدعي النبل والثقافة تدعو الضحية إلى التسليم بجبروت الجزار، وهي تعلن اعتزازها وفخرها بهذا الجزار، فهل هؤلاء حقا منا وضلوا، أم أنهم منا وجهلوا، أم أنهم منا واختل ميزان الطبيعة لغرض أو لآخر في أيديهم.

 

أيها المطبعون، العرب مستعدون للتطبيع، ولكن عليكم أن تقنعوا أصنامكم في إسرائيل بأن يستمروا في صفعكم وكشفكم على منابرهم ومنابرنا بالتسرع في تصفية القضية، ولكننا معتصمون بقول الحق سبحانه 'فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض'. والله غالب على أمره ولو كره المبلسون.