مر وهذا الأثر

نشر 19 ابريل 2010 | 12:02

بقلم: د. يوسف رزقة

 

ودعت حركة الإخوان المسلمين في العالم ، وحركة حماس في فلسطين (أول من أمس السبت 17/4/2010) إلى مثواه الأخير الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بارود (أبو حذيفة) رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

 

في مثل هذا اليوم قبل سنوات ست كان وداع القائد الهمام، الشيخ الدكتور عبد العزيز الرنتيسي . إنه لمن حسن القدر والفأل الحسن أن يكون وداع القائدين في الذكرى السنوية الدورية ليوم الأسير الفلسطيني ، فقد كانا من الرجال الذين حملوا همّ الأسير وجعلوا ملفه في مقدمة أجندة العمل الوطني والشرعي.

 

كان وداع (أبي حذيفة) كوداع (أبي محمد الرنتيسي) رحمهما الله حارقاً، فنحن نتكلم عن وداع قائد كبير، وعالم جهبذ، وتربوي فذ، ودعوي لا يشق له غبار في كسب الأصدقاء، وحمل هموم الدعوة، والصبر على مشاقها، ومكابدة ليلها ونهارها ، حلوها ومرها.

 

كان وداع (أبي حذيفة) حارقاً لا لأسرته وأبنائه وعائلة (بارود) الكريمة في الوطن والمهجر فحسب ، وإنما كان وداعاً حارقاً لحركة الإخوان المسلمين، ولحركة حماس أيضاً، ولكل مسلم ووطني عرف الرجل الراحل أو التقى به لدقائق .

 

كان (أبو حذيفة) يهمّ بتقديم أطروحة الدكتوراة إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة العتيدة عن الشاعر الراجز رؤبة بن العجاج يوم امتدت له يد المخابرات المصرية بالاعتقال ووضعته في السجن الحربي إلى جانب القائد الراحل الشهيد بإذن الله سيد قطب والمرشد الثاني حسن الهضيبي رحمهما الله.

 

كان أبو حذيفة شديد المراس، قوي الحجة ، بليغاً حصيناً في الحق كالجبل الأشم، إذا خاطبته وحاورته تذكرت سيد قطب بصفاته وقوته وحزمه ونصاعة بيانه .

 

وإذا قاربته في ليلة وجدت عابداً زاهداً يقضي ليله في الصلاة والذكر والعبادة والتفكر وإذا جلست إلى مائدته تذكرت طعام الصحابة طيباً وكرماً. فقد رأيت الإخوان في مواسم الحج يحبون أن يؤتوه في بيته وأن يتناولوا من طعامه بركة واستشفاء، فطعام الصالحين دواء، وكان رحمه الله لا يباري في إظهار المودة والحب لإخوانه ، وكان دائم الابتسامة بهي الطلعة رقيق الكلمة، ثاقب النظر ، حاضر الفراسة.

 

لقد أمضى رحمه الله سنوات السجن في صحبة المرشد الثاني الشيخ المستشار حسن الهضيبي رحمه الله ، والتقى كبار العلماء كالغزالي وسيد سابق رحمهما الله، وكان بينهم رجل بيت المقدس وعالم فلسطين وعَلَمِها، فلما أفرج عنه وإخوانه في عهد السادات تقدم من سنته لشهادة الدكتوراة ثم ارتحل إلى السعودية مدرساً وأستاذاً في جامعة الملك عبد العزيز، فأنفق وفته داخل الجامعة وخارجها في الدعوة إلى الله، وتعريف الأجيال بحركة الإخوان المسلمين وقادتها ، فغرس له في كل بيت وكل بلد غرساً طيباً يدعو له ويترحم عليه.

 

الشيخ القائد العالم (أبو حذيفة) يذكرك إذا التقيته بالرغم من هدوئه بخالد بن الوليد ، والقعقاع بن عمر ، وابن الزبير، وأبي دجانة حين يتحدث عن المقاومة التي أحبها ورأى فيها خياراً وعزاً ، فلم يكن رحمه الله يلتفت إلى الحديث في المفاوضات والتسوية فهي في نظره كلام تجار ووكلاء شركات . لقد مر أبو حذيفة كريماً عاملاً وهذا الأثر.