ثلاثية بارود والرنتيسي والوزير

نشر 18 ابريل 2010 | 09:46

بقلم: مصطفى الصواف

 

ازدحمت الذكريات والمناسبات التي أرى أنه من الواجب أن نتحدث عنها، بالأمس كان يوم الأسير الفلسطيني، وبالأمس كانت الذكرى السادسة لاستشهاد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.

 

وكذلك تمر علينا ذكرى استشهاد قائد الثورة الفلسطيني الحقيقي خليل الوزير ( أبو جهاد ) والذي اغتيل في السادس عشر من عام 1988 في تونس، ويوم أمس تلقينا نبأ وفاة قيادي كبير من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، الكاتب والأديب والشاعر والمجاهد الدكتور عبد الرحمن بارود فارس القلم وشاعر فلسطين والأقصى.

 

ومن حيث انتهينا سنبدأ، خاصة أننا نعيش لحظة فقدان علم من أعلام فلسطين عاش سنوات عمره مدافعا عن فلسطين، تشرب حب الوطن وهو ابن الحادية عشرة من عمره عندما أجبر على ترك بيت دراس مسقط رأسه مع والده وأهله قسراً على أيدي عصابات الإرهاب من الصهاينة الذين اغتصبوا فلسطين عام 1948 ، وبقيت فلسطين همه في طفولته وشبابه ورجولته وشيخوخته، حتى اعتلى صرح الشعر فكان شاعر الأقصى بجدارة واقتدار، ولم يكتف بذلك بل حمل هم القضية في كل المحافل، والأماكن التي حل فيها ينافح عنها، ويدافع عن حقه في العودة والتحرير كواحد ممن شردوا وعاشوا التهجير والغربة حتى مات وهو مهاجر، ولم يكن مستكينا تاركا للشباب المهمة بل كان سباقا وأكثر همة واندفاعا وحماسا.

 

التقيت به يوم زرت مدينة جدة في المملكة العربية السعودية أحمل أوراقاً وفكراً ومشروعاً لتأسيس صحيفة يومية في قطاع غزة، والتقيت به في مجلس الدكتور عبد الرحيم وكان جالساً بجواري بهيبته وبياض لحيته ونصاعة بياض ثيابه، يتحدث بهدوء وروية، يستمع بشكل جيد وإن تحدث كان حديثه محسوباً بدقة، واضحاً، ومعبراً وفي صلب الموضوع، تلقف الفكرة بشجاعة وعبر عن رغبة كبيرة بضرورة أن تكون في غزة صحيفة يومية، وشجع الحضور بل ودفع بهم من اجل تبني المشروع، ومن أجل أن يدفعوا به إلى النور، ولا أبالغ إذا قلت إنه كان أكثر الحضور قبولا للفكرة، والعمل على تبنيها.

 

والرنتيسي كان علما طبيبا وشاعرا ومقاوما وقائدا، إنسانا، أحب فلسطين أرضا وشعبا، وتعرض من أجلها إلى كثير من الخطوب، في السجون الإسرائيلية قضى سنوات طوالاً، وبقي صامدا مؤمنا بحق الشعب الفلسطيني، عندما كنت في سجن النقب وضعه الاحتلال في الحبس الانفرادي بعد أن رفض مصافحة الإرهابي قائد سجن النقب ( شالتي أيل ) ورفض أن يقف عن كرسيه عندما دخل المجرم للقاء ممثلي الأسرى في سجون الاحتلال.

 

لم يكن الرنتيسي يطمع في مال أو رفاهية فهو الطبيب المتخصص في طب الأطفال وهذا كان يكفيه كي يعيش عيشة رغد تليق بالأطباء أمثاله، لو كان يريد مالا، أو منصبا، ولكنه رغب بما هو اكبر وأعظم وهو الدفاع عن فلسطين، وأهلها وترابها، رغم ما سيلاقيه من عذاب، أو ملاحقة وتصفية جسدية من قبل الاحتلال الصهيوني، كان الرنتيسي مرابطا في شوارع غزة وأزقتها عندما كان يسمع أن هناك اجتياحا صهيونيا شرق مدينة غزة، يحمل البندقية بصحبة المجاهدين مدافعا وهو القائد الذي لم يلومه احد لو مكث في بيته حفاظا على نفسه؛ لكنه كان يرفض، ويتابع شأن المجاهدين عن قرب.

 

الحديث عن الرنتيسي يطول، والمقام لا يتسع، وشهادته جاءت في وقت كانت حماس قد تعرضت لعملية اغتيال مؤسسها الشيخ أحمد ياسين، وبايعته حماس قائدا، ولكن لم يمض على توليه القيادة إلا أيام معدودات، خمسة وعشرون يوما، فكانت الشهادة بعملية اغتيال عبر طائرات الاباتشي، ليلحق بالشهداء، بعد رحلة حافلة بالعطاء من اعتقال وإبعاد واعتقال وملاحقة على أيدي أبناء جلدته، واعتقال وحصار وملاحقة حتى وقف وقفته التي أنهت الاعتقال من قبل أجهزة السلطة عندما هبت غزة دفاعا عنه، وتصدت لمحاولة اعتقاله حتى أفشلتها، وقضت عليها.

 

ونختم بالشهيد البطل خليل الوزير (أبو جهاد) رجل الثورة الحقيقي، والبطل الذي دافع عن الحق حتى اللحظة الأخيرة، كان مقاتلا منذ أيامه الأولى في جماعة الإخوان المسلمين، واستمر يقاتل وهو في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) يوم أن كانت فتح الثورة، وفتح القضية، وفتح الرصاصة، استشهد قبل أن يفجع بما آلت إليه حركة فتح اليوم، ولعل العدو الصهيوني كان يهدف للوصول إلى هذه اللحظة التي تحياها فتح، فكان لابد من اغتيال الرجال ظنا منهم أن باغتيالهم يمكن أن تغتال القضية، ولكن رجال فلسطين تركوا الوصية والقضية، وهم على ثقة بمن سيلحق بهم، ويحمل البندقية، فكرا، ومنهجا ومقاومة، فلم يمت الرجال ولم تمت القضية.

 

رحمكم الله أبا حذيفة، و أبا محمد، وأبا جهاد، فلازال هناك من يرى أن الحل في البندقية، وليس عبر تصفية القضية، فناموا قريري العين فلن تموت القضية.