بقلم: رشاد المدني
عندما نتحدث عن الحركة الاسيرة الفلسطينية، تتجه كل الأنظار إلى هؤلاء الأبطال، هذا الأسير الفلسطيني الذي صنع المجد وصنع التاريخ وسطر بصموده وصبره وتضحياته قصة البطولة والفداء، فهؤلاء الأسرى القابعين خلف القضبان تحدوا بإرادتهم الصلبة وبصمودهم الأسطوري، و بمعنوياتهم العالية، تحدوا سياسة الظلم والقهر الصهيونية وتصدوا بصدورهم العارية وأمعائهم الخاوية، كل أشكال وصور الممارسات والإجراءات القمعية والعنصرية التي تمارسها إدارة مصلحة السجون ضدهم، هؤلاء الأسرى البواسل فرسان الأمة كانوا و مازالوا أقوى من قيد و زرد السلاسل و الحديد، أقوى من سياط الجلادين، وأقوى من الحديد والزنازين والأسلاك الشائكة، هؤلاء الأسرى بحكمتهم وبتاريخهم النضالي المقاوم، حولوا هذه السجون الصهيونية إلى مدارس و جامعات ثورية لتخريج القادة والمفكرين السياسيين، و الكتاب والشعراء وغيرهم الكثير.
ونحن أيضا عندما نتحدث عن الحركة الأسيرة نحتار من أين نبدأ، فهل نبدأ بالحديث عن معاناة الأسرى و الانتهاكات التي يتعرضون لها باستمرار ابتداء من زنازين العزل الانفرادية واقتحام الغرف بعد منتصف الليل، وإخراج الأسرى في العراء في البرد القارص، والإهمال الطبي المتعمد الذي قد يؤدي إلى الموت، أم نتحدث عن حملات التعذيب وأعمال القمع والبطش في أقبية التحقيق التي يتعرض لها أسرانا الأبطال.
هل نبدأ بالحديث عن تلك الاعتداءات والإهانات المتكررة و المستمرة على ذوي الأسرى وعلى رأسها سياسة التفتيش العاري، هل نتحدث عن حقوق الأسرى ومواقف ومهام مؤسسات حقوق الإنسان العربية والدولية المنتشرة في أرجاء المعمورة، ولماذا تقف مؤسسات حقوق الإنسان عاجزة أمام حقوق أسرانا، هل نتحدث عن أمهات الأسرى و لوعة الفراق التي تكوي أفئدتهم وتبكي عيونهم.
واليوم ونحن نعيش في ظلال يوم الأسير الفلسطيني نذكر العالم كله ومؤسسات حقوق الإنسان وكل أدعياء الحرية بالفاجعة الكبرى لأسرانا، نذكرهم بمعاناتهم المستمرة ليلاً ونهاراً، ونذكر العرب والمسلمين أن الصهاينة ينتهكون أعراضنا و ينكلون بأمهاتنا وأخواتنا، فأين نخوة المعتصم؟ وأين النخوة العربية والإسلامية وأسرانا قابعين في سجون الصهاينة، يتعرضون لأبشع أنواع أساليب التعذيب والقمع المنظم، إنهم في وضع تقشعر منه الأبدان.
ولازما علينا في يوم الأسير أن نتذكر البطلة أحلام التميمي التى حكم عليها العدو ب 17 مؤبداً، فهذا هو أعلى وسام شرف يمنح لك، نحن نعرف يا أحلام أن هذا الزمن ليس بزمن هارون الرشيد ولا زمن المعتصم ولا زمن صلاح الدين، إنه عصر منطق القوة المفرطة وليس قوة المنطق، فاصبري وصابري
نقول لأسرانا انتم والله شرف هذه الامة وعزها وكرامتها وانتم تمثلون وحدة الموقف ووحدة الهدف وحدة الصف علمتمونا كيف يكون الصبر و الصمود كيف يكون العطاء، وكيف تكون الوحدة.
والحقيقية الساطعة أنكم بصمودكم وثباتكم وحكمتكم، وإرادتكم، انتصرتم على سجانيكم و جلاديكم، وقهرتم ما يسمى ' إدارة مصلحة السجون ' لأنكم رفضتم الإذلال و الخضوع و الركوع و ها هو صوتكم المدوي يصل إلى كل العالم: ' نموت واقفين ولن نركع.
وفي هذا المقام يجب أن نذكر أن 85% من الأسرى و المعتقلين الفلسطينيين تعرضوا للتعذيب خلال التحقيق على يد ضباط التحقيق، وان أكثر من 22% من أبناء الشعب الفلسطيني كانوا قد دخلوا سجون الاحتلال، وان عدد الذي استشهدوا من الأسرى، في سجون الاحتلال منذ عام
أما الأسرى من ذوي الأحكام العالية، فهناك (313) امضوا أكثر من (15) عاما في السجون،و(115) أسيرا، امضوا أكثر من (20) عاما، و (14) أسيرا امضوا أكثر من ربع قرن في السجون، و (3) أسرى امضوا أكثر من 30 عاما، وعلى رأسهم المناضل البطل نائل البرغوثي الذي يعتبر أقدم أسير فلسطيني وأقدم أسير في العام حيث أمضى في سجون الاحتلال 32 عاما ومازال.
أما الأسيرات الفلسطينيات، فقد بلغ عددهن حتى الآن 37 أسيرة موزعن جغرافيا كما يلي: 4 أسيرات من القدس، و 4 من فلسطين المحتلة عام 1948، وأسيرة واحدة من غزة و 28 من الضفة الغربية، ومن هذا العدد ( 37) هناك 5 أسيرات محكومات بالمؤبد لمرة واحدة أو أكثر وهن: أحلام التميمي 17 مؤبد (من رام الله)، قاهرة السعدي 3 مؤبدات + 30 سنة ( من جنين)، دعاء الجيوسي 3 مؤبدات ( من طولكرم )، آمنة منى مؤبد من القدس، وسناء شحادة مؤبد من القدس أيضا.
وخلاصة القول أنة، ما زال أكثر من 8000 أسير فلسطيني يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بينهم العشرات من أصحاب المؤبدات والمحكوميات العالية، إضافة إلى مئات الأطفال، والنساء والمرضى، وكبار السن، هؤلاء الأسرى ما زالوا يتعرضون أشد أنواع العنف و الظلم و التعذيب النفسي والجسدي و هذا يتعارض مع ابسط قواعد حقوق الإنسان وإتفاقيات جنيف الرابعة لحماية أسرى الحرب و حقوق الشعب تحت الاحتلال.
ولم يعد خافيا على احد سعي الاحتلال لإيجاد تشريعات لتلك الممارسات ومنحها غطاء قانوني من قبل المحاكم و الكنيست لتصبح سلوكا اعتياديا لا عقاب على مرتكبيه، مما يعرض حياة الأسرى للخطر الشديد، ونحن نتساءل، كيف يمكن تفسير دعوة والد الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط لإلقاء كلمة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وفي نفس الوقت نرى هناك تجاهل العالم و صمته أمام معاناة 8000 أسير وأسيرة من أبناء الشعب الفلسطيني وبماذا نفسر زيارة ( بان كي مون ) لأهل الأسير الإسرائيلي شاليط، فيما رفض زيارة أهالي الأسرى في غزة، المحرومين من زيارة أبنائهم، وبماذا نفسر اهتمام العالم والقيام بوساطات للإفراج عن شاليط، دون أن يلتفت احد لمعاناة الأسرى الفلسطينيين الذين لا يتلقون ادني الرعاية الإنسانية و دون أن يرأف العالم بهم أو يتحرك من اجلهم.
ومع ازدياد معاناة الأسرى و حدوث تجاوزات خطيرة مست حقوقهم و حقوق ذويهم فقد أصبح واضحا أن الأمر لم يعد يطاق، ولذا، قرر الأسرى الانطلاق و التحرك، فانطلقوا وتحركوا، وانتفضوا، في سبيل كرامتهم، وكرامة ذويهم و أهلهم، وأعلنوا الإضراب والاحتجاج بهدف لفت الانتباه إليهم و فضح سياسات وممارسات القمع الصهيوني و جرائم الاحتلال ضدهم، وفي نفس الوقت تحقيق مطالبهم العادلة ونحن نقول بملء الفم: يجب الوقوف مع الأسرى الأبطال ..يجب دعمهم ومؤازرتهم، ونصرة قضيتهم و لتنتصر معركتهم.. من اجل نيل حقوقهم المسلوبة من قبل سلطات الاحتلال الصهيوني، تحية إكبار وإجلال و تحية عز و كرامة لأسرانا البواسل.. اللهم فك قيد أسرانا ،وأسرى المسلمين ، وردهم إلى أهلهم سالمين ، اللهم إنهم في حاجة عاجلة إلى رحماتك ،فانزل عليهم رحماتك يا رحمن يا رحيم ، وإن فجر الحرية آت آت ولو طال الانتظار.