بقلم: د. عطا الله أبو السبح
رحمك الله أبا منير ؛ كنت رجلاً، وأبقيت من الذكرى العطرة ما أبقى الرجال من قبل ، كنت رجلاً فذاً بصدقك وإيمانك ومروءتك وعفافك وتواضعك.
رحمك الله أبا منير ؛ لم تغتر بنسب رغم أنك سليل أسرة عريقة ، فأبوك رئيس بلدية غزة يوم أن كان المنصب مثل الوظيفة بعيد المنال ، وعندما وقعت غزة في الأسر كان فارسها، وأبى على الغزاة أن يدنسوا أرضها، فقال: لا ، يوم أن كانت سبباً كافياً لإبعاد صاحبها إلى صحراء سيناء، وسكنت ( لاؤه ) للاحتلال- صدرك ، فانتظمت في صفوف الشرفاء ، فطوردت وأنت رجل الحزم والعزم ، حتى طوّحت بك الحادثات إلى هناك .. إلى عواصم العرب ، ورأيت -بنظرك الثاقب- كيف تنتهك حقوق الإنسان، وكيف يستعبد الفلسطيني الفلسطيني باسم الثورة والثوار، فأبت نفسك الشريفة ذلك، وتعاليت عن سفاسف الأمور وأنت صاحب المعالي فيها، واتخذت من الشام وطن إقامة وعينك على غزة ، تُقرب أبناءها وأيتامها ، تأكل معهم رغيفك وتلبس معهم قميصك..
رحمك الله أبا منير ؛ درست القانون فكنت ميزان الحق والعدل .. ولم ترهب سيف المعز ، ولم يطمس بصيرتك بريق الذهب ، وعدت مرفوع الجبين لم تطأطئ لمحتل ، ولم تخفض جناحك لخائن ولا للئيم . كنت مثلاً في العدل ... سمعت باسمك قبل خمس وأربعين سنة، وكان أول لقاء لي معك يوم أن كنت وزيراً للعدل ...
جمعتنا المقادير في بيت من بيوت اللاجئين ، جئت لتصلح بين عائلتين ، وسمعتك تتحدث بلسان عربي فصيح ، قوي الحجة ، بحنان ومودة وحرص على ( الوحدة ) وعلى ( الحق ) وعلى ( العدل ) ، سمعتك ترفض النزق والتزلُّف والنفاق ، كم أعجبني تواضعك وسلاسة منطقك ... قلت يومها : إن العدل بخير طالما أن هذا الرجل هو ( وزيره ) ، وما هي إلا أيام حتى تركت (المنصب) لا تلوي على شيء .. وعلمت أنك لم تعط الدنية كما أعطوا ، وكما يحب السلطان أن يرى من حوله وقد غرقوا فيها ، فكنت الأبي، وليذهب المنصب إلى الجحيم إذا كانت الدنية مهره . ووقع بين يدي كتاب وآخر وثالث يحمل اسمك .. فرأيت فيها عقلك، ثقافتك، شاعريتك، انتماءك لفلسطين أرضاً وإنساناً وهوية.
رحمك الله أبا منير ؛ كنت حيياً ، أراك تغرق في الحياء لأول عبارة إطراء ، تبتسم لتقطع الطريق على مادحيك ، وأنت الجدير وتتمتم ( أستغفر الله ) ولو قيل بعضها لآخر لم يصل إلى معشار فضلك لطار تيهاً وصلفاً ، ولكنك أنت .. ومثلك قليل، لا يستخفه الطرب ولا يطيش برأسه الإطراء ولا الخطب.
رحمك الله أبا منير ؛ كنت سباقا لتلبية دعوة القدس عندما كانت عاصمة للثقافة العربية ، وملأتني السعادة لصحبتك ، وكم أخجلني تواضعك .. كنت أنت رئيساً لها وأنت المرؤوس ، وأقسم أن هذا كان شعوري .. أجد فيك شيخي وأستاذي وموجهي ومرشدي .. لم تتأخر عن لقاء ، ولم تتردد في قبول عمل ، وكنت طيعاً؛ كتبت قصيدة ( الافتتاح ) ورأيتك في سعادة ( حسون ) وأنت تستمع إلى لحنها الجميل.
رحمك الله أبا منير ؛ زاملتك في بيت الحكمة ، تدير جلساتها بوقار وكفاءة وحضور .. وكنت مثالا للرجل الذي يحظى باحترام الرجال ، لا تزاحم أبداً أحداً في كلام ، ولم تقطع عليه حديثاً .. تستمع ساعة لتتكلم دقائق ، تجمع فيها ما بين الرأي والحكمة والتوقير.
رحمك الله أبا منير ؛ كنت حساساً يجرحك النسيم ، فلم تسمح لنفسك أن يخدش أحد كرامتك ، وصلباً في مواجهة الباطل ، ومتسامحا إذا أبدى إليك - من أساء - الاعتذار ، كنت أبا وابنا وأخاً وصديقاً ، وفي أحوالك جميعاً كانت القدس تسكن حناياك ، وتفخر بأن أمك مقدسية ، فتربطك بها وشيجة ونسب ، فجعلت أشعارك لها ، وعندما صغت أباك قصيدة كانت من عيون الشعر ، وكانت القدس حاضرة وشاهدة وشعاراً ومبدأ وعقيدة .
رحمك الله أبا منير ؛ عرفت الزيف رغم التزاويق والمهرجانات والمواكب والزينة بفراسة لا تخطئ ، فأنكرته وأشحت بوجهك عنه ، وعرفت الحق فالتزمته رغم السهام المصوبة إلى صدره .. إنه نهج الفدائي يا أبا منير .. وأنت هو ...
وعدتني بزيارة وكان وعدك صادقا .. وامتلأتُ سعادة وفخرا ( يا حبيبي يا أخوية بدي آجي أزورك .. سلامتك .. ) وهأنا أنتظرك .. فلا تتأخر .. أو أنني قادم إليك .. فهل تشفع لي ؟
وأخيرا لا تعتب على الصغار الذين لم يذكروا فضلك ، وحسبك أن يذكرك الوطن !
المحب لك والحزين لفقدك
عطا الله أبو السبح