بقلم: مصطفى الصواف
نعم، كنت ناهضاً، ومنيراً وريساً، ليس اسما فقط بل فعلا وممارسة، فكانت ثلاثية مباركة متناغمة، نهضت في زمن كبا فيه الكثيرون، وأنرت في ظلمة التيه جانباً من الأمور، وكنت ريساً أينما حللت بصوتك الهدار المجلجل، وثقتك وعزمك الذي لا يلين.
أبا منير، ليس الموت بغياب الجسد أو بالدفن تحت التراب، ولكن الميت هو الأبتر المقطوع، أما أنت، وإن دسوك تحت التراب، فأنت باقي بقاء الكلمة، والقصة والقصيدة، والمقال، والموقف.
سمعت بك منذ طفولتي، وقرأت عنك ولك في شبابي ، وعرفتك منذ سنوات عن قرب، فقرأت فيك الشهامة، والحب، والغيرة على وطن ظنه البعض سلعة للبيع والشراء، أو قطعة للاستثمار والثراء، تعلمت منك الإصرار على الموقف ما اقتنعت أنه صواب، تدافع عنه بإصرار وعناد.
ولعل صفحات 'فلسطين' كانت أول اللقاء عندما كنت رئيساً للتحرير، وكنت كاتباً يومياً للمقال، من الأوائل الذين عشقوا فلسطين وطنا، وشعباً، وصحيفة، فتواصلت وتواصلنا، ونصحت وتناصحنا، وانقطعت وأنت الواصل للود الناصح الأمين، والمحب لفلسطين الصحيفة وربما جاء الأجل وهي بين يديك أو في ناظريك لا تغيب.
أبا منير.. ليس مثلي من يحكي من أنت، فأنت تحكي بلسانك، وفكرك، وعطائك، غبت عنا ولكنك باق فينا، فكنت مرجعاً في التاريخ والثورة، وكنت شاعراً ملهماً بسجية لا تكلف فيها، وأديباً قاصاً، وقاضياً عدلاً، وأبياً ترفض الخنوع والذل، وتصدح بالحق، وإن خاصمت كنت شجاعا وخصامك لا يخرجك عن أدبك وخلقك الرفيع.
عرفتك غزة منذ زمن، وعرفت أباك وأهلك، وعرفناك في محافل عدة كنت فيها فارساً للكلمة، تحدثت في السياسة فكنت سياسياً بارعاً، وفي القانون مدافعاً حاذقاً، وفي الميدان فدائياً مقاوماً، هنا في غزة وهناك في المنافي، لا حباً في مال أو شهرة فلديك الكثير، ولكن عشقاً للوطن فلسطين.
إلى رحمة الله أبا منير، ونحسبك من الصالحين، ولا نزكي على الله أحداً، نرجو لك الرحمة والمستقر في عليين، وأما على الأرض فأنت باقٍ فينا بما تركت من ميراث يشهد لك في مجالات وميادين، وهذا عزاؤنا فيك.