بقلم: أ.رشاد المدني
هناك في الفكر التوراتي اليهودي المزيف نبوءة لأحد حاخامات اليهود تدعي بأن مَوعد بداية بناء هيكل سليمان هو يوم 16/3/2010م وآن هذه النبوءة أيضاً تضمنت إشارات إلى أن اليهود سيشرعون في بناء الهيكل مع تدشين مَعبد هاحوربا (أي كنيس الخراب) وحسب العقيدة الصهيونية والمفاهيم التوراتيه, هناك علاقة وطيدة وواضحة بين بناء ما يُسمي كنيس الخراب وإقامة هيكل سليمان المزعوم, ولتسليط الأضواء علي هذه المسألة نتحدث أولاً عن قصة هذا الكنيس ثم نتناول موضوع هيكل سليمان المزعوم كي نبين ونثبت بالمنطق والحُجة أن هذا الهيكل غير موجود وليس له آثر, بل هو هيكل مزعوم .
أولاً : ما هي قصة ما يُسمي بـ كَنيس الخراب؟ نحن نعرف أن مدينة القدس تضم عدة أحياء أو حارات , من هذه الحارات في القدس القديمة حارة الشرف الإسلامية التى تقع في الجهة الجنوبية الغربية من المسجد الأقصي بالقرب من المسجد العمري وكنيسة القيامة .
بعد حرب عام 1967م قامت الحكومة الإسرائيلية بهدم حارة الشرف وتهجير سكانها البالغ عددهم 3000نسمة,وبذلك غيروا المعالم الإسلامية والتاريخية لهذه الحارة وأطلقوا عليها اسم حارة اليهود أو الحي اليهودي , وعلى أنقاض حارة الشرف يدعي اليهود وجود معبد يهودي قديم , هذا المعبد اليهودي هو ما يطلق عليه كنيس الخراب وهو حالياً مكون من 4 طبقات وقبة عالية مرتفعة من المقرر أن تعلو قبة المسجد الأقصي وقبة كنيسة القيامة .
يرتبط تاريخ هذا الكنيس بقدوم أعداد من اليهود الاشكنازيم في عهد الدولة العثمانية في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي الذين ادعوا وجود معبد يهودي في الجهة الجنوبية الغربية من المسجد الأقصي فأعادوا بنائه بشكل رمزي , وفي عام 1721م قام العثمانيون بهدمه تماماً ومنعوا اليهود من الإقتراب منه وأصبح المكان مهجوراً وعم فيه الخراب وبقي مهدوماً حتي سنة 1808م , ولذلك أطلق عليه هاحوربا أي كنيس الخراب.
وفي أوائل القرن التاسع عشر الميلادي حاول اليهود إعادة بناء الكنيس من جديد إلا أنهم فشلوا في ذلك بسبب معارضة الدولة العثمانية لذلك وعدم السماح لليهود بأعمال البناء وإقامة كنيس في منطقة يسكنها المسلمون .
استمرت الجهود الصهيونية من أجل إقناع الدولة العثمانية بالسماح لإقامة هذا المعبد ولكن دون جدوي وكانت مجموعات يهودية قد قامت بجمع تبرعات وأموال من أجل إعادة بناء هذا الكنيس .
قامت الدول الأوروبية بالضغط علي الدولة العثمانية لإطلاق المزيد من الحريات الدينية والمدنية والإنفتاح والديمقراطية والمساواة بين رعايا الدولة, وفعلاً أصدرت الدولة العثمانية قرارات وقوانين جديدة تضمنت ذلك سنة 1856م وهنا استغل اليهود هذا التغيير في سياسة الدولة العثمانية وشرعوا في أعمال البناء في السنة التالية أي في سنة 1857م .
في عام 1864م تم بناء هذا الكنيس, واكتمل بنائه, وبقي حتي عام 1948حيث قام بهدمه الجيش الأردني, وبعد احتلال القدس عام 1967م عادت الأصوات اليهودية تنادي بإعادة بنائه, وفي 2001م أقرت الحكومة الإسرائيلية بناء كنيس الخراب, وفي عام
وتم افتتاح ما يسمي بكنيس الخراب مساء يوم 15/3/2010 , بحضور الحاخامات اليهود وكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الذين اعتبروا ذلك هو المقدمة الحقيقية لإقامة الهيكل الثالث المزعوم علي أنقاض المسجد الأقصى .
والحقيقة الساطعة هي أنه لم يكن في حي الشرف الإسلامي أي معبد يهودي وما كان موجود هو بيوت للمقدسيين وأن المكان الذي أقيم فيه كنيس الخراب إنما هو عبارة عن جزة من وقف إسلامي, والحقيقة الساطعة الأخري أن اليهود قاموا وما زالوا يقومون بتشويه الحقائق وتزييف التاريخ محاولين زوراً وكذباً بخلق تراث يهودي زائف مبتدئين بضم الحرم الإبراهيمي وجامع بلال بن رباح لقائمة الأماكن الأثرية اليهودية أو ما يسمي بالتراث اليهودي .
إن اليهود يسعون منذ سنوات طويلة لترسيخ ما يسمي بالعقيدة التوراتية وهدفهم الأول هو هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم, فجميع المستويات السياسية والعسكرية والدينية الصهيونية وعلي رأسهم بن جوريون كانوا وما زالوا يرددون المقولة المشهورة لهم جميعاً وهي ' لا معني لإسرائيل بدون القدس ولا معني للقدس بدون الهيكل' . هذا الهيكل حسب زعمهم موجود تحت المسجد الأقصى ... وأن الذي بناه لهم هو سليمان عليه السلام ، مع أن المسجد الأقصي قائم وموجود قبل داود وسليمان عليهما السلام بل أن المسجد الأقصى كان موجوداً بعد بناء الكعبة المشرفة بـ 40 سنة وهذا يعني أن المسجد الأقصى كان قائماً قبل قدوم بني إسرائيل إلي أرض كنعان وأن أجدادنا الكنعانيين اليبوسيين كانوا متواجدين في القدس قبل قدوم بني إسرائيل بألفي سنة وحتي لو افترضنا أن داود وسليمان هما اللذان أقاما معبداً فمن غير المعقول أن يقوم داود وسليمان بهدم المسجد الأقصي ( وهم أنبياء الله) ويبدلونه بإقامة معبداً أوهيكلاً لبني إسرائيل وحتى لو ثبت أن داود وسليمان أقاما معبداً فإن هذا المعبد يكون للمؤمنين من أتباع داود وسليمان وليس لليهود الذين تركوا دين أنبيائهم وعبدوا الأوثان فلا حَقَ لهُم في مساجد داود وسليمان التي أقاموها لتوحيد الله عز وجل وإنما الحقُ فيها لأتباعهم المؤمنين وهم المسلمون , ومما يُدلل على عدم وجود ما يسمي بهيكل سليمان هو أن ذكر هذا الهيكل لم يرد في القرأن الكريم ولا في أحاديث رسول الله صلي الله عليه وسلم مع أن القرآن الكريم تحدث عن داود وسليمان في مواضع متعددة ثم إن معظم الأحاديث عن هذا الهيكل المزعوم وردت في التوراة , ولذلك نجد أن معظم روايات المؤرخين المتعلقة بوجود هذا الهيكل المزعوم مآخوذه من التوراة الزائفة وهذه التوراة كتبها اليهود بأنفسهم وجعلوا فيها موضوعات ونصوص تربطهم بأرض كنعان ربطاً دينياً حتي يجدوا لهم مبرراً ومسوغاً يعيدهم إلي فلسطين ... ليقوموا بإعادة بناء هيكلهم المزعوم ولذلك فجميع هذه الروايات غير صادقة لأن مصدرها مُزيف وغير صحيح, ثم أن كثيراً من اليهود لا يعترفون بهيكل في القدس وإنما يعتقدون بأن معبدهم في مكان أخر فطائفة السامرة اليهودية تعتقد بأن هيكلها بني فوق جبل جرزيم في مدينة نابلس ومجموعة أخري تعتقد أن معبدهم أقيم في قرية بيتين شمال القدس, ومجموعة ثالثة تعتقد أن هيكلها أقيم في منطقة تل القاضي ( منطقة دان ) وعلى هذا تكون لليهود أربعة هياكل فأيها سيكون هيكلاً حقيقياً , ثم أن المواصفات التي أوردتها التوراة وأخذت عنها الكتابات والروايات الأخري لا تنطبق علي الإطلاق مع أى مبني من مباني الحرم القدسي الشريف ولا مع الأثار والمباني التي عثر عليها المنقبون وعلماء الأثار في جميع مناطق القدس , وتذكر دائرة المعارف البريطانية أنه لا يوجد ما يؤكد أن الهيكل كان موجوداً في حرم الأقصي, قتيطس الروماني عندما جاء وهدم المدينة سنة 70م أدي عمله إلى طمس وتدمير كافة معالمها . لذلك فإن البحث عن الهيكل المزعوم عبث في عبث. يبقي أن نذكر أن الحكومة الإسرائيلية قامت ببناء أكثر من 60 كنيساً يهودياً وأكثر من 50 بؤرة استيطانية صهيونية في محيط المسجد الأقصي وخاصة في المنطقة الغربية في عقارات أهلنا المقدسيين التى تمت مصادرتها والإستيلاء عليها من قبل الصهاينة , وأصبحت هذه الكنس والبؤر تشكل سلسلة على شكل دائري حول المسجد الأقصي أي بمعنى أخر فرض حصار مُحكم على القدس والمسجد الأقصي ، نسأل الله العلي القدير أن يحمي أقصانا ومقدساتنا وأن يوحد صفوفنا وجهودنا , ويبعث فينا من يحرر أرض العرب والمسلمين ونحقق النصر المبين .