بقلم: د. عطا الله أبو السبح
سألني أحد الإخوة عن الفرق بين التوراة والتلمود والبروتوكولات ، فوجدتني أميل إلى الإجابة ( بمقال ) كي تعم الفائدة .
فأما التوراة فهي الكتاب السماوي الذي تنزل على موسى عليه السلام ، والذي لا يشك فيه مؤمن ، وقد ورد ذكره في كتاب الله، وبذا فإنه والقرآن قد خرجا من مشكاة واحدة ، ولكن- وبنص القرآن – قد حرَّفه علماؤهم ( حاخاماتهم ) وبدلوه ، ولم يعد له وجود ( كما أنزل ) بين يدي البشر.
وأما التلمود فهو مجموع التغيير والتبديل الذي طرأ على التوراة، وفيه تكمن خطورة معتقدات اليهود لما يتضمنه من تحقيق أهدافهم العالمية، ومن الجدير ذكره أنه لم يحظ بالإجماع – ابتداء – منهم، بل انقسموا فيه إلى فريقين :
الأول هم : الفرِّيسيون ( بتشديد الراء وكسرها ) الذين آمنوا به وقدسوه .
الثاني : الصدوقيون والقراءوة وهم الذين أنكروه ورفضوه .
وكذا الكتبة الذين يشغلون أنفسهم بنسخ التوراة ( !!) ونشرها ؛ وعظاً وتدريساً ، ثم أجمعوا عليه فيما بعد واعتبروه مكافئاً للتوراة باعتباره الشارح لها واعتبر الحاخامات الذين وضعوا قواعده وشروحه وتفاسيره معصومين من الخطأ، ذلك لأنها صادرة مباشرة – لهم عن الله – وبالتالي فلهم التقديس والإجلال كما لله ، ومن هنا فإن سلوك نتنياهو وليبرمان مرده إلى الحرص الشديد على عدم مخالفة أقوال أولئك الحاخامات، وهو ما كان واضحاً من مواقف بيجين وشامير ومن بعدهم شارون، وهو ما كان واضحاً من سلوك تسيفي ليفني الذين ينتمون بمجموعهم إلى معتقدات أولئك الحاخامات وأقوالهم المقدسة ( التلمود ) ويرجع السبب في إجماعهم – فيما بعد – عليه إلى مجموعة من النصوص والتفاسير والأقوال التي أحدثها الحاخامات.
ما بين العهدين قام بعضهم بجمعها باسم ( المشنا ) أي المكررة، باعتبار أنها تكرار وتأكيد لما ورد في توراة موسى (عليه السلام)؛ فليست تفاسير وشروح فحسب، وقد كتبت بلغة يصعب فهمها على الكثير منهم، مما اقتضى وضع الحواشي والشروح التي جمعت تحت اسم ( جمارا ) أي الشروح ومن مجموع المشنا ( الشريعة المكررة للتوراة والمكررة لها ) فإن بعضهم يرى فيه أسمى من التوراة ، ومن اشتغل بالتوراة – فحسب – دون التلمود فلا خلاص له ، بل غالى بعضهم فقال:
لقد جاء التلمود من استشارة الله للحاخامات في قضايا لا يمكن حلها في السماء (!!) (والعياذ بالله)، ولعل أخطر ما فيه يتمثل في تعاليمه التي تمكن اليهودي من تحقيق السيادة في الأرض مثل بكل وسيلة ولو كانت خسيسة، فهو يشرع الأعمال السوية والإرهابية واللا أخلاقية، والغاية تبرر الوسيلة (الميكافيللية)، والعنصرية ، وإبادة شعوب العالم (وهل يلام المرء على ذبحه لبقرته أو ناقته؟).
وأما البروتوكولات فقد أعدها حاخاماتهم للصفوة من قادة الصهاينة التي تتولى وضع الخطط والأساليب والتدابير التي من شأنها تمكين هؤلاء ( القادة ) من السيطرة على ثروات الأمم ، والمفكرين ( من الأغيار ) وسياساتهم، ومجتمعاتهم ، وإعلامهم ، وطرائق التربية ، وكيف يمكن السيطرة على مواقع صناعة القرار في الدول الكبرى والمنظمات الدولية ، وبناءً عليه فهي تمثل الآليات التي يمكن – من خلالها – الوصول إلى تحقيق الأهداف الكبرى للصهيونية العالمية والتي تقود في النهاية إلى السيطرة التامة على العالم ، سواء بواسطتهم أو بواسطة عملائهم ، مع التأكيد على أن أي خطوة تتقدم بها إلى الأمام.
وأي مكسب يحققونه ،لا يمكن التراجع عنها أو عنه إلا بعد ضمان التقدم بأكثر من خطوة وتحقيق أكثر من مكسب، وهو ما يفسر تقدمهم على المسارات التفاوضية، أو الأهداف التي حققوها في كل من ( كامب ديفيد ، ووادي عربة ، وأوسلو ) فهم – وإن انسحبوا ظاهرا – فقد تقدموا أميالا وأحرزوا ما خططوا له وزيادة ، وأما عن أوسلو فقد أخذوا كل شيء دون أن يعطوا شيئاً، وعليه فلا نقول إنهم انسحبوا ( كما في وادي عربة ، وكامب ديفيد ) من غزة لينهشوا الضفة ، بل إن غزة لا تزال تحت الحصار ، ولا فكاك لها من تلك الاتفاقات المهينة التي أبرمتها م . ت . ف في التجارة والاقتصاد والتعليم والصحة ، إلا بالمقدار الذي يمكن من خلاله توفير كفاية ذاتية أو بدائل ، ولكن – وللأسف – لا بدائل ولا كفاية ، هي الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع لعل – بهذا الإدراك – ما يقود إلى مشروع نهضوي عروبي إسلامي ، يرفع الأمة من عثرتها، ويحقق أهداف شعوبها في العيش بحرية وكرامة .