بقلم: د. عطا الله أبو السبح
كيلا ينتظر القارئ الجواب بنعم أو لا ؛ أقول : إن الداعي لهذا السؤال هو ما صرح به ( يوفال ديسكين ) رئيس الشاباك الصهيوني ونشرته ( فلسطين برس )' بأن حماس تتآكل ، وتواجه صعوبات جمة ، ونمو حركات إسلامية متطرفة في غزة ' أ.هـ ، وبقراءة متأنية لهذا التصريح ندرك أنه من باب الأماني ، أو الحرب النفسية ، أو لطمأنة الشارع الإسرائيلي بعد الهزة العنيفة التي أحدثتها فيه العملية البطولية شرق خانيونس ، و التي قتل فيها أحد قادة غولاني الكبار وجندي معه ، رغم ما تحرص (إسرائيل) على بثه من أن غولاني هي إحدى أمهر وأجرأ فرق جيش الدفاع ،وهي رأس حربة الدفاع عن الكيان الصهيوني ..
ثم إن العملية كانت على الخطوط المتقدمة جداً، حيث يشكل الوصول إليها ضرباً من المستحيل ، وإذا بأبناء حماس يقتلون الجنديين من مسافة تقرب من الصفر ؛ مما أحدث اضطرابا أشبه بالزلزال في معنويات ذلك الجيش !!
وإلا فإن ديسكين لا يرى المشهد – في غزة – على حقيقته ، إضافة إلى أنه يتناسى صمودها الكبير الذي أذهل الجيش الذي كان لا يقهر ؛ فحال دون تحقيق أهدافه خلال ثلاثة وعشرين يوماً لم تتوقف طائراته ولا أسطوله و لادباباته ولا مدافعه عن صب الرصاص على رأس أطفال غزة وشيوخها و نسائها ، ولكن ظل رأسها مرفوعا بصمود أبنائها المقاومين وفي مقدمتهم حماس ، و ازدادت حماس قوة ودُربة واستبسالا ، فالتف العالم الحر من حولها ، وتآكلت سمعة (إسرائيل) وجيشها ( الحضاري !!) حتى وصلت إلى الحضيض ، و تمرد بعض جندها على أوامر قيادتهم ، فهرب بعضهم من الميدان ، و بعضهم قد انتحر ، وآخرون قد أغرقوا أنفسهم في الكحول أو المخدرات ، و لم يكن أمام (إسرائيل) إلا أن توقف صب رصاصها ، في الوقت الذي كانت حماس تمطرها بوابل من صواريخها التي يحلو لعاشق السلام معها ؛ عباس ،أن يصفها بالصواريخ العبثية !!!
ويبدو أن مصادر معلومات ديسكين ( الجاسوسية ) قد أوشكت على النفاد بعد النجاح المتلاحق لجهاز الأمن الداخلي الفلسطيني في تعقب جواسيسه ، ثم إصدار حماس لقانون إعدام هؤلاء الخونة و المجرمين ؛ (الأمر الذي حدا بمنظمة العفو الدولية أن تحث حماس على عدم التنفيذ ؛ متجاهلة ما تفعله (إسرائيل) – صباح مساء – في أبناء الشعب الفلسطيني) .
وإن كانت حماس تتآكل فلماذا هذه التهديدات بشن حرب ضروس على غزة ، و كان الأحرى أن يتركوها لمصيرها دون حرب جديدة تجلل رأس (إسرائيل) ووجهها بالعار الدولي والفشل الذريع ؟ كان الأحرى بديسكين أن ينصح للنائب ( تساحي هنغبي ) رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست ؛ فلا يجنح لتهديد ، ولا يقول: لا مفر من خوض مواجهة عسكرية مع حركة حماس في ظل العملية الأخيرة ، وكان الأحرى به –أيضا- أن ينصح لوزير المالية في حكومة نتنياهو ( يوفال ستاينتسي ) فلا يهدد بإعادة احتلال قطاع غزة ، والقضاء على الحكومة فيه، ويترك حماس تتآكل !!
ولماذا لم ينصح لنائب رئيس الوزراء (سيلفان شالوم) ؛ فلا يهدد بشن هجوم واسع النطاق على غزة ، إذا لم توقف حماس صواريخها على (إسرائيل) !! إذن فلا زالت قوة حماس تتزايد وتشكل تهديداً (لإسرائيل) رغم أنف ديسكين ، فتصمد في الحرب ، وترد العدوان بعد الحرب ، وتكسر الحصار ، و تضبط الشارع ، وتنسج علاقات مجتمعية ناجحة ، وتخمد نار الفتنة التي لم تخل منها دولة، وتقف – بالمرصاد – للطابور الخامس ، وترتقي بأدائها وأمنها ، ولا تغفل عينها عن الساحة السياسية والدولية ، وترعى مؤسساتها ومرافقها ، وتتمسك بثوابتها ، وتعد العدة للتصدي لأي حماقة إسرائيلية ، وهذا هو عين ما يدركه ديسكين في لاشعوره ، وأما شعوره و ما يتمنى فهو شيء آخر...!