الملف المنسي

نشر 06 ابريل 2010 | 10:03

بقلم: د. يوسف رزقة

 

الأسرى في سجون الاحتلال قصة حياة شعب محب لوطنه، متمسك بدينه يفديهما بالغالي والنفيس . دم الشهادة هو المهر الأغلى ، وقيد السجن هو المهر التالي لمهر الدم . إن شعباً يفدي وطنه ودينه بالشباب وبالدم هو شعب حي يستحق الحياة ويستحق النصر . مسيرة النصر تبدأ بالفداء لا بالاستخذاء والاستجداء على مائدة المفاوضات . لم يسجل التاريخ القديم والحديث أن شعباً محتلاً تحرر في الغرف المغلقة ، ومن خلال تقبيل يد المحتل ولحيته . لا يصادم منطق التاريخ إلا جاهل غافل ، أو تابع عميل .

 

قصص الأسرى كقصص الشهداء تحكي حياة الحرية وتنبض بالكرامة والشهامة والرجولة . بالأمس احتفلت عائلة الأسير (نائل البرغوثي) في رام الله بالاشتراك مع محبيه بإيقاد الشمعة (33) لأسره . كان ابن العشرين يوم اعتقاله ، اليوم هو ابن الثالثة والخمسين . ثلاثة وثلاثون سنة تحكي أنه أقدم أسير فلسطيني لا في فلسطين بل في العالم .

 

نائل لم يتمتع باهتمام بان كي مون ومجلس الهيئات الدولية لحقوق الإنسان كما تمتع جلعاد شاليط ، ولم يُدعَ شقيقه أو شقيقته للحديث أمام المجلس مثلما دعي (ناعوم شاليط) ؟ والسبب يرجع إلى غفوة السلطة الفلسطينية وقيادة 'م.ت.ف' الذين أرسلوا (نائل) للقتال ونسوه في الأسر .

 

واليوم الثلاثاء 6/4/2010م يحتفي معسكر البريج وآل الحشاش بالإفراج عن الأسير محمد الحشاش بعد أن أمضى (20) عاماً في الأسر ، المحتفلون –وبينهم حركة حماس- يستذكرون يوم الاعتقال قبل عشرين عاماً ، ويستذكرون قصة الضابط الصهيوني (أمنون) ، الذي دخل المعسكر واصطدم بالمنتفضين فأحرقوه داخل سيارته تعبيراً عن غضبهم ، وأخذاً بثأر أبنائهم بحسب الرواية الإسرائيلية ، أو مات خوفاً واشتعلت به سيارته بحسب رواية المواطنين !!

 

 

في قصة محمد وأمثاله تتجسد البطولة كما تتجسد المظلومية لا لفرد أو لمجموعة أفراد ، وإنما لشعب كامل . مئات من أبناء معسكر البريج دفعوا ضريبة مقتل (أمنون) عشرات منهم ما زالوا رهن الاعتقال والأسر ، بعضهم محكوم بمؤبد أو أكثر ، الأحكام الصادرة كانت تعسفية تبتغي الثأر والردع .

 

لا أحد حتى اليوم يعرف منْ هو القاتل المباشر للضابط ، فقد قتلته الحجارة من المئات والعشرات ، واشتعلت به سيارته ، بعد أن مات فيها خوفاً ، ولكن جميع المواطنين يدركون معاني البطولة ، ويعرفون الوفاء والتضحية للذين دفعوا ضريبة الدفاع عن وطنهم ودينهم .

 

عشرون سنة من المفاوضات واللقاءات لم تتطوَّع سلطة عباس بالطلب من سلطات الاحتلال مراجعة ملف (أمنون) والإفراج عن المظلومين ، بينما كلَّف عباس أجهزته الأمنية بالبحث والتحري عن (شاليط) ، وما زال عملاؤه يقومون بالمهمة رغم تغيّر الأوضاع في غزة .

 

قصة نائل البرغوثي وقصة محمد الحشاش تحكي قصة الملف المنسي . وتحكي قصة العوائل التي تعتصم كل يوم إثنين من الأسبوع أمام الصليب الأحمر ، لتذكِّر العالم بالواجب الإنساني ، وتذكر قادة الفصائل بالواجب الوطني والشرعي إزاء الأسرى ، وتحكي قصة النسيان .

 

مرحباً بمحمد بين أهله وشعبه ، والحرية لنائل وإخوانه ، وما زال في الأسر قصص وقصص تستحق القراءة والاهتمام ، ولا يكون ذلك إلا بعد إنعاش الذاكرة .