بقلم: د. عطا الله أبو السبح
كان الحوار مع دحلان؛ مفوض الثقافة والإعلام في حركة فتح وعضو لجنتها المركزية من خلال برنامج ( عالمكشوف ) الذي بثه تلفزيون فلسطين قد حمل ( من بين ما حمل ) نداءً إلى حماس للمشاركة في صناعة مجد للوطن ، فقال: ( لنصنع مجداً للوطن .. والأوان لم يفت ، فما زلنا في الصراع مع نتنياهو ) إلى أن قال : ( أتوجه إلى قيادة حماس باسم كل مواطن فلسطيني بأن يتركوا الماضي ، لنقف في حالة موحدة ) وأضاف : ( ويتجهوا للمستقبل ، فمصلحة الشعب الفلسطيني أهم بكثير من مصلحة أفراد من حماس ) بما يلفت النظر إلى كلمات ( مثقفة ) جدا ، و( إعلامية ) جدا ، من مثل صناعة المجد للوطن ، يتركوا الماضي ، مصلحة الشعب الفلسطيني ، الاتجاه للمستقبل ... دون تحديد، ولذا فإن لنا أن نسأل عن:
أولا: مفهوم مجد الوطن، ولا يمكن أن يختلف عاقلان بأن أمجاد الأوطان تتحقق بالحفاظ على مقدراتها وحدودها، فلا تنهب، بل تصان ، ولا تنتهك أو تغتصب ، وإذا ما انتهكت أو اغتصبت فلا بد من استردادها كاملة غير منقوصة، ليعيش أبناؤها وبناتها فيها بعز وكرامة ، وإن دفعت -في سبيل ذلك - طائفة حياتها ثمنا ، فأمجاد الأوطان لا تتحقق بالتنازل عن أرضها ولا مقدساتها ولا تراثها ، وهو ما يراه الفلسطيني في كل سطر من اعتراف م. ت . ف ( والتي تمثل فتح أكبر فصائلها ) بـ(إسرائيل) ، فبهذا الاعتراف قد تنازلت عن 78% من الأرض الفلسطينية ، كما أن أمجاد الأوطان لا يمكن أن تتحقق بالتنسيق الأمني، ولا بزج مئات المناضلين والمجاهدين في سجون الضفة ومعتقلاتها ، ولا يمكن أن تبنى أمجاد الأوطان بهذه المفاوضات التي بينها وبين عيد المساخر اليهودي (جناس تام ) بلا تورية أو مشاكلة ، وأمجاد الأوطان لا يمكن أن تبنى بالمال المسيس ، ولا بالركون إلى السياسة الأمريكية، التي تشكل أس البلاء لنا ، بدعمها أس بلائنا ( إسرائيل) غير المتناهي، والقوي كالصخر ( كما قال أوباما ) فيما يراه - كل حر وغيور- تضليلاً هو أقرب إلى الاستغفال أو الخيانة .
ثانيا: ترك الماضي، فهل يريد دحلان بهذه الجملة أن تترك حماس تاريخ فلسطين ( قبل قيام 'إسرائيل')؟ وترك جغرافيتها زمن الانتداب؟ وهل يريد ترك حق العودة إلى أرضه التي هجر منها سنة 48؟ وهل يريد التنصل من الميثاق الفلسطيني باعتبار أنه كوداك ( أي عفى عليه الزمن ، حسب عرفات)؟ وهل يريد نسيان دماء الشهداء، وما فعل بنا يهود وما يفعلون وما سيفعلون؟ فما الماضي في ثقافة دحلان؟ أهو ذلك الماضي الذي عدَّ أوري سافير تركه من قبل أحمد قريع نصراً ( حسب ما أورده في كتابه المسيرة)؟ بما يدمغ الفريق المفاوض بالخيانة العظمى! وكيف يجمع ( دحلان) بين بناء أمجاد الأوطان وترك ماضيها؟ أم أن الماضي الذي يطالب حماس بتركه هو الماضي القريب الذي أقسم دحلان فيه أن يرقِّص حماس خمسة بلدي ؟ ويتوعد من يشكل حكومة معها أن (يقل قيمتو)؟ أم هو الماضي الأبعد قليلا، والذي أكلت فيه سياط دحلان من لحوم أبناء حماس سنة 96 وما قبلها وما بعدها ؟ أم الماضي الذي شهد أكبر عملية سطو ونهب على مقدرات الشعب الفلسطيني وأعراضه من قبَِل عصابة يقودها عشرة أو خمسة عشر مفسداً( على رأي دحلان في المقابلة ) ومن ورائهم أجهزة أزكم فسادها أنوف ( الفساد ) ، فأي ماض يطلب دحلان تركه ؟ هل هو الماضي الذي أمسى فيه دحلان مليونيراً من راتب لا يتجاوز بحال ألف أو ألفي دولار ، وإذا به صاحب استثمارات وعقارات ومواكب ؟ ثم يتحدث عن خاوات تفرضها حماس !! وقد وصف ذلك ( بالمسخرة ) !! عجيب ... عجيب ...! أم لعله يريد بالماضي ما تعتمده حماس من مرجعية إسلامية باعتبار أن الإسلام ظلام، ونظامه ظلامي؟ وقد صرح بذلك متابعاً لمحمود عباس، أو أصالةً عن نفسه؛ بما ثبت لديه - وهو المفوض الثقافي- بأن المعادل الموضوعي للإسلام هو الظلام .. إذا كان ذلك فكيف يبني مجداً للأوطان ، وهو يعلم أنه يطالب حماس بالمستحيل لإيمانها الراسخ بأن ما يدعوها إليه هو الباطل ( بعد إحسان الظن ) .
ثالثا: ثم يطالب دحلان حركة حماس بالاتجاه للمستقبل ، وأيضا لم يحدد للمستقبل مفهوما ، وهنا لنا أن نحتمل لا أن نتحامل : أيريد بالمستقبل السعي معه لإنشاء دولة على 100% من أراضي 67 (حسب كلامه ) بعد استردادها بالمفاوضات ؟! وهل هذا سيتحقق ؟! إذن أين تذهب القدس ( الشرقية ) ومستوطناتها، وكنيس الخراب وأنفاق الحشمونيين تحت الأقصى ؟
أم المستقبل هو ( الجيتوهات ) التي تعدها لنا الحركة الصهيونية، والذي سيعلق القرآن على أعواد المشانق؟ أم المستقبل في إنشاء دولة في الضفة الغربية فقط دون غزة ، فما غزة إلا كنز بشري فقط ( حسب دحلان ) ولا مستقبل لحماس، أي لا مستقبل لـ (حركة مقاومة إسلامية ) أبدا أبدا ؟!
إن كان كذلك فإن دحلان لن يكون شريكاً لحماس في بناء أمجاد لوطن اسمه فلسطين؟