بقلم: د. عطا الله أبو السبح
كتب التراجم تمثل زادا لأي طامح إلى حياة أفضل ، أو باحث عن ( القدوة ) ، ولقد تجرأ بعض المفكرين أو الكتاب إلى تدوين أدق تفاصيل حياتهم والعوامل التي ساعدت في تشكيل شخصياتهم وسلطوا الأضواء على الجانب المستور منها لأنها بصراحة تبعث على الخجل في بعض الأحيان ، ويأتي كتاب ( جان جاك روسو ) الذي أسماه ( إميل ) كمثال لهذه الصراحة غير المحببة عند البعض ، وأن ( إميل ) الذي ارتكب كثيراً من الخطايا والموبقات هو ( روسو ) نفسه على ما يرجح العارفون بشخصية ( روسو ) وقد ظلت شخصية ( إميل ) شخصية منفرة للطامحين والباحثين عن القدوة .
وقد حذا كثير من المفكرين الغربيين هذا الحذو بل أكثر صراحة مثل ( شارلي شابلين ) الذي كتب قصة حياته بلا رتوش أو اختباء وراء الاستعارات أو الكنايات ، فتحدث عن طفولته في ظل والدين سكيرين وأقرب إلى الشذوذ والتشرد، ولقد برع الكتاب الغربيون في هذا الفن وتفوقوا فيه ، وقراءة كتاب لويس فيشر عن ( المهاتما غاندي ) وكتابه الذي أسماه ( الذئب الأغبر ) وتحدث فيه عن مصطفى كمال أتاتورك ولو لمرة واحدة، كفيلة بأن تري القارئ أدق تفاصيل هذه الشخصية أو تلك ، مما كان له الأثر الأعظم في الاقتداء بهما أو أحدهما ،أو نبذهما أو أحدهما مما يشكل في صياغة مشاعر، ويحدد معالم طريق، ويبرز مواقف وملامح، ولقد جرب كبار رجالات الفكر الكتابة في هذا المجال ، ويأتي في مقدمتهم العقاد الذي كتب عن هتلر ، وفرنسيس بيكون ( مجرب العلم والحياة ) ، وعن غاندي وكتب سلسلة العبقريات ، كما كتب أحمد أمين ( حياتي ) وكتب إميل توما ( حياة قلم ) وكتب يوسف وهبي ( قصة حياتي ) ولقد تأثرت كثيرا في سني شبابي الأولى بكتاب( لماذا نجح عبد الناصر ؟) للصحافي الهندي كارانيجا ، وما كتبه جان وزوجته سيمون عن عبد الناصر أيضا في كتابهما ( مصر الثائرة ) كما ساهم كتاب ( لعبة الأمم ) في لا أخلاقية السياسة الأمريكية ولعب دورا في تهدئة ولعي بالمرحلة الناصرية ، والذي ألهبه في فترة ما قبل كتاب ( يا ولدي هذا عمك جمال ) للسادات والذي نشره سنة 1957 أي بعيد العدوان الثلاثي ، كما حبب إلي علي أدهم بعد أن قرأت كتابه عن فيلسوف الثورة الإيطالية ( يوسف متزيني ) شخصية المفكر المتمرد ، وكرهت هتلر من خلال ما كتب عنه العقاد .إن هذا النوع من الفن يريك تفاعل الزمان بالمكان على حقيقتهما من خلال ( الإنسان ) وكلما كانت التفاصيل دقيقة كلما كانت الصورة أوضح وأكثر تأثيرا ، وهنا الفرق بين عمل وآخر من حيث التأثير وما يترتب عليه وبين التقليد الذي لا تأثير له.
قرأت عن حياة ( ماري كوري ) فانجذبت للجانب النضالي المقاوم منها ، كما قرأت كتاب ( حياتي ) أو مذكرات ( جولدا مئير ) فقلت حبذا لو قرأها كل فلسطيني ، وتمنيت لو أن يكون ( بيرنراد راسل ) من أبناء فلسطين ، ولقد شدني توفيق الحكيم في ( عصفور من الشرق ) و ( يوميات نائب في الأرياف ) وأظن أن هذا ( الأدب ) قد استنهض الكثير من الطاقات الفاترة وأنشأ الكثير من الخلايا التي أقدمت على التغيير وفعلا قد كان في الكثير من الأوطان ومنها العربية، إلا أنها – في الغالب – قد انتكست في بلاد الغرب، وهذا يحتاج إجابة على سؤال كبير ومن كلمة واحدة هي ( لماذا ؟ ) .
إذن فينبغي مواجهة الحقيقة بما يخدم التأثير ولن نكتفي بالتأثر .
ينبغي مواجهة الصورة بأبيضها وأسودها ليتمكن المصلحون من استكمال ( رتوشها ) وإبراز محاسنها وطمس عيوبها وقبحها.
ينبغي ألا نرى الجزء المليء من الكأس دون الالتفات إلى الجزء الفارغ منه فينفد ما به في غفلة منا أو تغافل ، كان خاتمة رواية ( إحسان عبد القدوس ): ( أنا لا أكذب ولكنني أتجمل ) مأساوية ، فقد خسر بطل الرواية الفتاة التي اختارها شريكة لحياته لأنه أخفى عنها حقيقة أمره بل تجمل لها من غير جمال فكانت الفاجعة ، ولم يشفع له أمام قلبها حبها له ، أو حبه لها .
إن قراءة متبصرة لعوامل صعود الحضارات وهبوطها حتى زوالها فيها فائدة عظمى لمن أراد أن يعزز إرادة التغيير فضلا عن الإصلاح .