معذرة

نشر 30 مارس 2010 | 09:51

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

أتقدم بمعذرتي, ولكن عذري أنني أتألم؛ فأنا فلسطيني منكوب بأبشع ظلم عرفته الدنيا, بأبشع ظالمين.. ولكم أن تتصوروا – أيها السادة – رجلاً كان له بيت وأسرة, فطرد من بيته بعد أن قتلوا أسرته وعلى مرأى منه, وكل جريمته أنه فلسطيني, ثم أنشأ له بيتاً ولو من الصفيح الصدئ, وكوَّن أسرة, فطرد منه بعد أن قتلوا أسرته, ثم ثالثة.. فكيف يصرخ؟ بأي لسان يعاتب؟ ستقولون الكثير, ولدي الاستعداد أن أقر بما ستقولون, ولكن ما ذنبي؟ ما ذنبي أنا وأنا المغلوب على أمره؟ فلست أنا الذي قامرت بقضيتي على موائد أوسلو وواي بلانتيشن وطابا وباريس! ولست أنا الذي أسلَمَ أحرار شعبه إلى عميل (السي أي إيه) دايتون! ولست أنا الذي يرعى الفساد ويحرسه! ولست أنا الذي يخمد الصوت الأبي من أن يُسمع الدنيا شعاره (لا للاحتلال) و (لا للمستوطنات) !

 

ولست أنا الذي يلبي إملاءات الصهاينة بكل خنوع واستسلام لعار اسمه ( التنسيق الأمني)، ولست أنا الذي بدد الأموال التي قدمتموها لفلسطين، ولست أنا المتبذّل والمراهق! ولست أنا شريك الصهاينة في الصفقات التجارية المشبوهة، ولست أنا الذي يمسخ عقول الناشئة من أبناء شعبي ليبرّئ اليهود من جريمة اغتصاب بيتي وأرضي وقتل أسرتي! ولست أنا الذي عصفت به أهواء الأيديولوجيات والفصائلية والمحاور, فذبح وانذبح! ولست أنا الذي غزا الكويت مع صدام؛ فحلّت بي النقمة ونبذتني الكويت وأخواتها! لا والله لست أنا الذي غدر؛ فجرى سكين لبنان في عنقي! ولست أنا الذي أغرى العراق بطردي! لست أنا.. ولست أنا الذي حطَّم بندقية المقاومة على رأسي!

 

ولا أنا الذي نهب لقمة العيش من أفواه اليتامى وأسر الشهداء! ولست أنا الذي يقطع الراتب عمن لا يعترف (بإسرائيل)! ولست أنا الذي يفرّط في القدس والمسجد الأقصى .. أنا- أيها السادة -فلسطيني يحب أهله وبيته ووطنه, ويتعذب لضياع ذلك كله, أنا فلسطيني يحب وطنه الكبير, ويقدر لأبنائه تضحياتهم في سبيل أنا يحيا حراً بكرامة, ولا ينسى دماء الآلاف من الشهداء منهم من يُعَرف ومنهم من لا يعرفهم إلا الله, أنا فلسطيني يقر لكل مواطن عربي بكل فلس أو مليم دفعه دعماً وفداءً لوطني وشعبي.. إنني أيها السادة أخجل من هذا الهوان الذي يغرق به المفاوض الفلسطيني؛ فيمكن للصهاينة (مباشرة أو غير مباشرة) ليغتصبوا ما بقي من وطني.. وأخجل من نظرتكم له وأنتم تعلمون أنه مفرط, ويصر على التفريط, وكم خجلت عندما أغلق أذنيه كيلا يسمع أردوغان وهو يبحث عن نهاية الطريق بعد أن عافت النفوس خارطة الطريق! وكم خجلت من لسانه وهو يناكف المقاومة التي جاءت على لسان (سوريا), وأخجل من أسباب (طرد) من له علاقة بمن أفسد وأساء للثورة في تونس.. ولذا أصرخ .. أيها السادة: إن المؤتمرات الثمانية والعشرين, وعدم تنفيذ قراراتها (الاستراتيجية) عذبتني فصرخت..

 

وصرخت عندما لم تستشيروني في مصيري, وأراكم – للأسف – توسعون للمقامرين! أنا واحد من الشعب, لا أتحدث باسم اتجاه أو فصيل, ولا أخفيكم أنني منحاز بالكلية إلى المقاومة, مقاومة هؤلاء المجرمين, الذين اعتدوا على وطني وبيتي ولا يزالون يعتدون, أيها السادة: أخاف على أوطانكم من هذا (الغول) الشرس ! فلا تسخروا من خوفي, أخاف على أبنائكم منه من أن يفتكوا بهم كما فتك بإخوتي, أنظروا ما فعل فيهم في قانا، وتل الزعتر، وجسر الباشا، والكرامة، وحمام الشط، وغزة، وفي بحر البقر من قبل! انظروا ماذا فعل في الأقصى والحرم الإبراهيمي .. أنظروا إلى (الأغورة) ألا ترون خارطة دولته من النيل إلى الفرات؟ أخشى – لا سمح الله- أن تصرخوا بملء حناجركم كما أصرخ اليوم .. ولكن بعد فوات الأوان ! .. أخشى.. وأخيراً .. أيها السادة (غيرة على كرامتكم) أناشدكم بالله أن تمزقوا (المبادرة) فإنني أخشى على وطني الكبير .. أخشى.