بقلم: د. عبد الله الأشعل
لم يعد الوقت ينتظر الضياع، والأنفاق على قمم لا تسمن ولا تغني من جوع.
ولذلك فإن الدولة المضيفة، أياً كان اسمها، لا تتحمل نجاح القمة أو فشلها بعد أن توفر لها المناخ المناسب والظروف التنظيمية التي تساعد على التركيز.
والحق أن الشارع العربي أصبح مستفزاً من عقد أي قمة عربية، لأنها في نظره صارت تعني أحياناً التآمر على المصالح العربية أو الجدل حول أولويات بلهاء أمام الكابوس الأعظم، وهو المشروع الصهيوني. لا بد أن الزعماء العرب يدركون خمس حقائق أساسية، وعليهم أن يقرروا على ضوئها.
الحقيقة الأولى، هي أن ما يحدث بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يجب أن يشغل أحداً، كما لا يجوز الانشغال بما تردده الصحف الإسرائيلية من نجاح نتنياهو أو فشله أو ما تردده الصحف الأمريكية من أزمة فى علاقات الحليفين، وما يشاع عن غضب واشنطن لما لحقها من إهانة وأنها سوف 'تؤدب' إسرائيل، ولكنها تخشى من اهتزاز حكومة نتنياهو اليمينية، فيدخل في التحالف أطرافا تفقد الحكومة التوافق الواجب. الحقيقة الثانية، هي أن الشعوب مستعدة أن تقفز فوق واقعها الداخلي، لكنها تريد أن يتصدى الزعماء للوحش الإسرائيلي والداعم الأمريكي.
الحقيقة الثالثة، هي أن الإحلال الصهيوني أخطر من الاستيلاء الصليبي، ولذلك فإن استرداد ما طمس سيكون صعباً، ولامفر من إنقاذ القائم بالفعل.
الحقيقة الرابعة، هي أن المسألة أصبحت تتعلق بمصير العالم العربي وكرامته، وأن رد الفعل العربي يجب أن يكون واضحاً ومتسقاً مع القدرات العربية والاستعداد للتوافق في المواقف.
الحقيقة الخامسة، هي أن العالم العربي ليس لاعباً أصلياً في الملفات العربية، ولذلك لا بد من التحرك في كل الملفات على أساس توفر الإرادة العربية.
'إسرائيل' تنفذ برنامج التهويد، وقد ضمنت الدعم الأمريكي لهذا البرنامج، كما ضمنت أن تقوم واشنطن بحمايتها من أي نقد لجرائمها في مجلس حقوق الإنسان وغيره، مع التأكيد المستمر على أن أمن إسرائيل شاملاً جرائمها فوق محاسبة أو مؤاخذة، فلم يعد الرهان ممكنا أو منطقياً على أي جهد أمريكي.
ولذلك، فإن قمة سرت وغيرها لا بد أن تقاس بمدى معالجة القمة بشكل مباشر للمخطط الإسرائيلي، وليدركوا أن الحديث العربي عن السلام وعملية السلام ينطوي على إغراء لإسرائيل.
أما تعليق المفاوضات بين السلطة وإسرائيل فهو ليس عقوبة لإسرائيل حتى تقدم المقابل من أي نوع. تدرك إسرائيل أن العالم العربي وزعماءه ليس لديهم مكنة وقف مشروعها، فالشارع لا يملك الرخصة والقدرة، والحكومات لا تملك الإرادة، وقد ار تهنت هذه الإرادة بالداخل العربي حتى بدا لعدد متزايد من الباحثين أن قهر الداخل هو ثمن التنازل أمام توحش إسرائيل.
إذا تحاشت القمة العربية في سرت أو غيرها إسرائيل والولايات المتحدة أو ربطت أي عمل توصي به بموقفهما، تكون القمة قد تهربت من مسئولياتها. فالموقف واضح ويلزم أي عمل جاد في القمة أن تتحرك على ثلاثة محاور، أولها، دعم صمود الشعب الفلسطيني بما في ذلك تجنب ما يؤدي إلى تفاقم الخلاف بين الفلسطينيين.
والمحور الثاني، هو اتخاذ إجراءات جماعية ضد إسرائيل فى علاقاتها الثنائية العربية وفي إطار الأمم المتحدة.
المحور الثالث، هو العلاقات مع الولايات المتحدة. إن العرب أمامهم أمر واحد وهو الإقرار بفشل الحوار مع إسرائيل، وأن التحدى الأمريكي والإسرائيلي يفرض استخدام أوراق الضغط، ودعم المقاومة واعتبارها الخيار الوحيد، ليكون الترجمة العربية للسلام كخيار استراتيجي. وبغير ذلك يكون للسلام معنى واحد، هو الاستسلام لعدو الأمة والتسليم بعجزها عن مواجهته، وهذا ليس خيار الشعوب العربية بالتأكيد.