لك المجد

نشر 27 مارس 2010 | 09:53

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

التقيته منذ ثلاثين سنة ..شاباً يتوقد حيوية و ثورة و ذكاءً ، كل ما فيه ذكي ،أصابعه ذكية ، و أرجله و عيناه و شفتاه و لسانه ، و كذا حركاته ذكية ، يتقن فنون ( البناء ) يضع اللبنة على اللبنة ، بلا خيط أو ميزان ، فميزانه عيناه ، اللتان لم تخدعاه أبدا ، يبدأ عند الفجر ، و عند الضحى يكون قد أتم الجدار ، و يوم أو يومان يبدأ في وضع ( البلاط ) ، وما أن يبدأ حتى ينتهي ، يداه أسرع من النظر إليهما في فنون القتال الحر ( كراتيه ، جودو ، تايكواندو و العقلة و العصا و السكين ) .

 

سائق محترف كأمهر متسابقي ( الرالي ) ، خطاط بارع ، و خطيب مفوه ... يلقى خصمه مبتسماً، بينما فكره مشغول في ( كيف يتجنب الصدام ) فلا يأمن على خصمه من قبضته، التي بلغت من القوة أن تخترق جدارا ، شجاع حتى التهور.

 

لفتت نظره رسومات على حائط ، فأيقن أن وراءها ( عمالة) فتتبعها فاكتشف ( العميل ) و قد كان مصيباً ، لم يكن ليثرثر إلا بابتساماته ، و لم يرد لطالب طلباً مهما كان الطلب و الطالب، و في أي زمان أو مكان، كان جندياً منضبطاً، بل في منتهى الانضباط ( سميعا مطيعا ) .

 

كان عليما بالطرق و منعرجاتها و التفافاتها، و من أين تبدأ و أين تنتهي ، يسير فيها بسرعة ( مجنونة ) ما بين البيارة و البيارة ، و كأنها تعرفه من زمن بعيد فتوسع له مهما كانت ضيقة ، و كان يثير العجب: كيف عرف كل هذه الطرق كما لو كانت خطوط يده؟! جاء للشيخ مبتسما – كعادته- كما لو كان قد وقع على صيد ثمين ..أخبره ، و استأذنه ، فأذن له : لا بأس ، فاختطف ذلك الجاسوس الخطير (!!)و استجوبه فاندلق بوقائع مذهلة عن الجاسوسية و شبكاتها و طرائق الإسقاط و من سقط ..جمعها في ( ملف ) هو الأول في ( الأرشيف ) الأمني لدى الشيخ، و لدى الحركة فيما بعد ..

 

كان تواقا للعمل الجهادي رغم حداثة سنه؛ إذ لم يكن قد بلغ العشرين بعد .. و بعد 3سنوات آلت إليه رئاسة مجلس الطلاب في جامعته التي يعرفها حجرا حجرا ، فقد كان أبرز المتطوعين في بنائها ، ورأى الطلاب ( منظِّرا ) من طراز فريد ، مبدعا من طراز فريد ، ذا خطاب وحدوي صادق، وقافا عند مبادئه، كانت ثقافته متنوعة و متجددة ، هي المحرك الذي يمده بالطاقة .

 

و كان من المسلمات أن يُسجن من كان هذا شأنه ، و فعلا سجن مرة وأخرى و ثالثة ، و لم يأخذ منه شياطين المحققين ولو طرف خيط ، حتى جاءوه بطاقم من ( المردة ) و بكل آلاتهم ، فحكم أربعة مؤبدات ، و تلقاها برضا عجيب و بابتسامته المعهودة ...

 

وأصبح السجن له ميدان عمل جديد ، فجعله فسيحا ، يقود الحركة الأسيرة بكل صبر و شجاعة و عزيمة ، ويقوده عقله إلى أدق التخصصات وأعقدها ..إلى دراسة التاريخ العبري القديم ...يتفوق – في سجنه – على أقرانه في جامعاتهم ، و بلسانهم ، بينما هو عاكف على الإدارة و الدرس ، و محاورة السجان باللغة التي يفهمها بحسب الزمان و المكان و الظرف ، و لا يستثني أي خيار حتى وإن لجأ إلى (القبضة)، دون أن يحسب حسابا لهراوة السجان و لا لقيوده التي يمكن أن تحطم معاصمه، و لا إلى عزله لأشهر أو سنوات في زنزانة باردة رطبة، تنبعث منها روائح ( النتن ) ...

 

وفي كل مرة يسجل انتصارا لمن أسلمه القيادة (الحركة الأسيرة) ...و تمر السنون حتى بلغت اثنتين و عشرين سنة، وهو هناك بعيد خلف القضبان يقود الحركة الأسيرة و يقوده عقله إلى المزيد ، كما يقوده إباؤه ألا يتنازل أو يستكين ...

 

أحب أمه بجنون و أحبته كما لم تحب أحدا أبدا غيره حتى فقدت كل شيء يعينها على زيارته يوم أن كان ( الصهاينة ) يسمحون لها بالزيارة .. و عندما منعوها انهدت قواها حتى توقف قلبها و كانت تتمنى أن تراه ...من المؤكد أن الكثير ممن عرفوه قد عرفوا أنني أتحدث عن يحيى السنوار ، فلك المجد يا فخر شعبي ووطني ...لك المجد أيها البطل ، و لك كل أمنياتي بالشفاء ...لقد بكيت عندما علمت بمرضك و أحزنني الخبر ...فإلى لقاء قريب يا ....يا ..... يا يحيى.