القدس وثقافة الخضوع

نشر 18 مارس 2010 | 08:54

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

خاطبنا القائد الفتحاوي حاتم عبد القادر عبر فضائية (الجزيرة) ليحدثنا عن أن الذي يجري من جانب المقدسيين إنما هو هبة وليست انتفاضة، مستبعداً اشتعال انتفاضة في الضفة الغربية معللاً ذلك بأن الظروف غير ناضجة ، وأن السلطة تمنع الاحتكام بالإسرائيليين ، وهذا يطرح أكثر من قضية :

 

الأولى : الفرق بين الهبة والانتفاضة ، فأما الهبة فأجلها قصير ، والقائمون عليها بعض الأفراد ، وبأدوات لا تزيد عن حنجرة وحجر ، وذات أهداف متواضعة يأتي في أعلاها لفت نظر الآخر بأن هناك من يرفض ممارساته، وإذا ما تحقق عاد كل إلى سيرته المعتادة .

 

وأما الانتفاضة فعكس ذلك تماماً ، فهي طويلة الأجل ، قد تستمر إلى سنوات ، والمنتفضون هم الشعب كل الشعب رجالاً ونساء ، شيبة وشباناً وحتى الأطفال ، وأدواتها غير محدودة من الحجر إلى السكين إلى الرصاصة إلى الاستشهادي ، وأما أهدافها فتحرير الإنسان والأرض .. هو صراع دائم بين الباطل والحق .. هو الصراع بين السيف والدم ، حتى ينتصر الدم على السيف ، والحق على الباطل . وعلى ضوء ذلك فهل سينتهي دور الشعب الفلسطيني بشكل عام والمقدسي على وجه الخصوص ، اليوم أو غداً ، وعلى أبعد الاحتمالات بعد غد ، ليتفرغ الإسرائيلي للبناء ، خاصة وأن وراءه مهمة بناء 1600 وحدة سكنية في ( رامات شالوم ) ، وصادق نتنياهو على 426 أخرى يوم أمس في القدس من أصل مشروع استيطاني استراتيجي ببناء 50.000 وحدة سكنية ، ثم ليتفرغ الفلسطيني لبعض شأنه منتظراً طرده من منزله وتجريف مزرعته ، وسحب هويته وانتظار عودة سجينه بعد عشرة أو عشرين أو مائة أو خمسمائة سنة ، ثم ليلعن الساعة التي خطف فيها شاليط ، وما ستسفر عنه المفاوضات ، ويحسب على أصابعه : كم يوماً بقي على الراتب ، وهل سيقطع سلام راتبه ؟ بينما كنيس الخراب يبتلع الأقصى ، ويقف ليبرمان على رأس الطابور الذي سيصعد إلى جبل الهيكل بعد بنائه على أنقاض كل ما هو إسلامي ومسيحي !

 

الثانية : نضج الظروف ، فلقد أخبرنا سيادته بأن الظروف غير ناضجة لميلاد انتفاضة ! والنضج لا يتحقق إلا بالحرارة ، فهل فقد الشعب الفلسطيني حرارته وشهامته ونخوته ، رغم ما يجري له ولأرضه ولمقدساته ؟ هل فقد الشعب الفلسطيني انتماءه وإحساسه بكرامته وحميته ، رغم حياة الذل والهوان التي يفرضها عليه الصهاينة ؟ وإن كان كذلك فما الذي أوصله إلى هذا ؟ ولكن الواقع يتحدث بغير ذلك ، فالشعب الفلسطيني هو الشعب الفلسطيني ، ولكنه بركان يغلي إلا أنه مكبوت ! فمن الذي كبته ؟

 

وهنا نأتي إلى القضية الثالثة: إن السلطة تمنع الاحتكاك ! ومن هنا يأتي الكبت ، فمن المؤكد أنها تكبته بالقمع والسجون ، بالقتل والملاحقة ، بالتنسيق الأمني ، بمصير مجد البرغوثي أو ماهر عودة ، ولتذهب المقدسات إلى أحقر حاخام ، فلا بأس ، فإن السلطة ستستردها بالتفاوض ثم التفاوض ، وها هو عباس يرسل بصائب إلى موسكو ليشرح الموقف الفلسطيني ، لأنه مشغول بوضع العراقيل أمام مصالحة فلسطينية ! لقد وضع حاتم عبد القادر يده على الوجع ، فالسلطة تمنع الاحتكاك حتى لو أمست الضفة كل الضفة مستوطنة واحدة ، إلا من بعض التجمعات السكانية الفلسطينية كي تفرخ الجرسونات وعمال النظافة وسائقي عربات الصرف الصحي للمستوطنات !

 

إذن فالظروف ناضجة لانتفاضة وثانية وعاشرة ، ولكن بعد أن يرفع الخونة والقمعيون أيديهم عن صمام الغضب ، وإن لم يرفعوها فسيقطعها جيل جديد ، قد نضج على نار ملتهبة قد شبت يوماً في منبر صلاح الدين فأحرقته ، ولا تزال مشتعلة .

 

وبالتالي فإن ثقافة الخضوع والاستسلام هي غريبة عن هذا الشعب ، مستوردة لا تجد من يسومها ، ولا تجد لها رواجاً إلا في المقاطعة ومحيطها ، وفي صدور أزلامها ، من أمثال أشباه الرجال الذين يتحدثون عن المقاومة الشعبية المنطقية العقلانية الحكيمة بلا عنف ، لأن شعبنا ضعيف وأعزل ، والعنف سيخسرنا ، وأما الاحتجاج السلمي فهو الطريق الوحيد لإحراج (إسرائيل) ، ويبدو أن ذلك ( الشبه ) لم يسمع ما قاله نبيل أبو ردينة بأن نتنياهو قد أعاد المفاوضات إلى نقطة الصفر ، كما لم يقرأ ما قاله غسان كنفاني في ذات سطر ( ثوروا ولن تخسروا سوى القيد والخيمة ) ، إن النيران التي يشعلها الصهاينة من شأنها أن تذيب القطبين المتجمدين في شمال الدنيا وجنوبها ، ولكنها عاجزة عن إنضاج الشهامة في صدور أشباه الرجال وفحول شذوذ التنسيق الأمني والفساد .