بقلم: د. عبد الله الأشعل
يرصد المراقب باهتمام أن 'إسرائيل' والولايات المتحدة حريصتان على أن تصبح 'إسرائيل' هى القوة المهيمنة الوحيدة فى المنطقة، وأن تضمن لمشروعها الاستمرار فى التهام فلسطين ومقدساتها، على أساس أن 'إسرائيل' هى حلم 'بني إسرائيل' فى استرداد أمجادهم المزعومة، استناداً إلى أحكام توراتية تحث على قتل الغير واسترقاقهم، وعلى دعم ديني من حاخاماتها، يسيرون وراء جنودهم في عدوانهم وهم يقرؤون آيات من هذه التوراة التي لايفهم عاقل أنه والقرآن والإنجيل إذا كانوا جميعاً نزلوا من مصدر واحد، فكيف يحرض الله في أحد كتبه بعض عباده على القتل والاغتصاب واستلاب الحقوق بالقوة، لمجرد أن الأعداء ينتمون إلى دين آخر، وهي تهمة حاولت الإسرائيليات أن تلصقها- ولاتزال- بالقرآن ورسولنا الكريم.
ولا شك أن تركيا بالنسبة لـ'إسرائيل' كانت حليفاً وفياً ضد العرب والمسلمين منذ اختطافها من إسلامها عام 1924، ومن مصالحها وهويتها منذ عام 1946، بمذهب ترومان الذي فرض وصاية الغرب عليها حتى لا يلتهمها الاتحاد السوفييتي.
وعندما أفاقت تركيا أرادت أن تحدد مؤشر مصالحها مع الجميع، فاعتدلت قامتها، واستقام عودها، واستردت وعيها، مما نظرت إليه 'إسرائيل' والغرب عموماً نظرة خيفة وتوجس؛ لأنهم أرادوا تركيا خنجراً في قلب العرب والمسلمين، حتى لو كان ذلك ضد استقلالها ومصالحها تحت شعار العلمانية. وقد بدأ التوجس منذ تولى حزب الفضيلة الحكم في تركيا في أوائل هذا القرن، وتمكنوا من إسقاطه، ثم التبس الأمر مع حزب العدالة والتنمية الذي يرفع شعار العلمانية، وتحته معاني الاستقلال والعقلانية والمصلحة والانتماء إلى محيطه العربي الإسلامي.
هكذا بدأت 'إسرائيل' والحركة الصهيونية ترصد 'انحرفات' تركيا عن البوصلة الصهيونية، خاصة منذ التقارب التركي السوري، ورفض تركيا مرور القوات الأمريكية لغزو العراق 2003. وكانت 'إسرائيل' في علاقات تحالف استراتيجي وعسكري مع تركيا بصفتها عضواً في الناتو، وحليفاً سياسياً أساسياً لواشنطن. ولكن منذ محرقة غزة، رصدت 'إسرائيل' الكثير من النذر، فأصبحت تركيا تهديداً حقيقياً للمشروع الصهيونى، لمجرد أن لها دورا مشروعاً تريد أن تتابعه، ولكنه يصطدم مباشرة مع 'إسرائيل' التي تريد الجميع خاضعاً لهيمنتها ومسانداً لمشروعها. ولا تفهم 'إسرائيل' أنها هي التي قامت على الغصب واللا شرعية، وأن تركيا جزء أصيل من حضارة المنطقة وتاريخها منذ القرن الرابع عشر حتى الآن. والثابت أن الحركة الصهيونية قد أسهمت في تقويض تركيا العثمانية؛ لأنها قوة إسلامية، نظر إليها معظم المسلمين على أنها امتداد للدولة العباسية، ومناوأتها للغرب المسيحي. كما يذكر المؤرخون كيف رفض السلطان عبد الحميد الثاني ابتزازه بالمال حتى يوافق على إنشاء دولة لليهود في فلسطين في نهايات القرن التاسع عشر. ولذلك فإن مشروع تركيا الحديثة، وحديث أردوغان عن العثمانيين الجدد أفزع 'إسرائيل'، خاصة وأنه اقترن بمواقف مستقلة خشيت 'إسرائيل' معها أن تستنهض الكرامة العربية المهدرة أمام 'إسرائيل'، والعرب والحمد لله يفوقون تركيا سبع مرات في العدد و15 مرة في المساحة، ومائة مرة في الموارد، ومع ذلك يخضعون صاغرين لكيان لايحتمل صيحة 'الله أكبر' واحدة لتحرق كبرياءه.
التحرش الصهيوني بتركيا لا يقف عند حد، بدءا بالعمل مع عناصر في الجيش ضد الحكم، وتسليح الأكراد في العراق وتركيا، والقيام بأعمال تخريبية باسم القاعدة في تركيا، ودعم السعي لإبتزاز تركيا بمسألة الأرمن، مثلما حدث مؤخراً عندما أصدرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي قراراً باعتبار ماحدث للأرمن إبادة. وهو نفس الموقف الذى اتخذه برلمان السويد، وسبق أن اتخذه البرلمان الكندي، بل ومجلس النواب الأمريكي عام 2007، في كل مرة تذكير لتركيا بأنه يمكن تصعيد الملف حتى توضع تركيا في مصاف ألمانيا، وكلاهما أباد شطراً من شعبه، وتذكير بأن تركيا يمكن أن تتعرض للكثير إذا لم تراجع موقفها وتعود إلى رشدها مع 'إسرائيل'.
لن أدعو الحكومات العربية إلى مساندة تركيا ضد 'إسرائيل'؛ لأن القارئ أدرى مني بحالهم، فالمساندة قرار ووعي، وأزعم أن الوعي عندهم، ولكنهم يفتقدون القرار، بل إنني كتبت منذ شهور قليلة عن الفتنة التركية للشعوب العربية، وربما لحكوماتها، فتتخذ مواقف مماثلة من 'إسرائيل' فيبعث العالم العربي من جديد. هذه السطور للتذكير بما تتعرض له تركيا حتى تساندها الشعوب العربية.