بقلم: د. عطا الله أبو السبح
منذ أن كانت (إسرائيل) وهي تهدد ، وعودتنا أن عدوانها – في الغالب – يسبق تهديدها ، فهي كالكلب العقور تفاجئ الآمنين من غدرها بغرز أنيابها في عراقيبهم، وأحيانا تشلهم عن الحركة أو الحراك ، وقليلا ما تتهدد أو تستعرض قواتها ، على خلاف في حالة النظام العربي الذي عشق الاستعراضات العسكرية وعرض الدبابات والطائرات والمدافع والجند الذين يسيرون طوابير كأنهم مبان مرصوصة مشدودي القامات ورافعي الهامات ، ولكن – وللحسرة والندامة – سرعان ما ينهزمون ويطلقون سيقانهم للريح عند أول نزال ، بعد تدمير الأسلحة والطائرات وهي رابضة – بعد – في مطاراتها السرية ،إلا ما كان في أكتوبر سنة 1973 حيث رأى العالم الجندي العربي على غير ما رآه وتعوده منه ، ثم المقاومة التي برزت كعامل تحد نوعي بعيد النكسة وكانت معركة الكرامة أبرز سماتها ، مما نبه أحقاد البوم والغربان فالتفوا من حولها ، فاجتثوا أصولها من عمان ، لتعصف بها أنواء الفساد والانشقاق والاختراقات والتبعية والمحاور في بيروت ، وحسب قانون : ( ما ضاع حق لم ينم عنه أهله ولا ناله في العالمين مقصر ) كانت المقاومة اللبنانية والانتفاضة اللتان ألقمتا الكلب العقور بحجر وقبضة ، ولم تجد معهما هراوات رابين (بطل السلام كما توهم عرفات ) ولا حماقة باراك ، فتمنى أن يفر الأول من غزة ، فحقق أمنيته شارون ففر منها سنة 2005 ، وكان قد سبقه باراك بالفرار من الجنوب سنة 2000 ، ووقفت (إسرائيل) بكل ترسانتها النووية عاجزة أمام خصم جديد وبمواصفات جديدة ، أهم سماتها ؛ الثبات والهجوم والاستهانة بالموت والاستعصاء على السقوط ، ولعل أهم نقاط ضعفه هم صناع القرار ، الذين هم في الحقيقة التيار المضاد لحركته ، وهو ما ينسجم مع أهداف صناع القرار الإسرائيلي وآلياتهم . وقد أدرك الإسرائيلي ذلك وعمل له ، فاحترف أن يصنع لنا قادة وبرع في ذلك ، كما برع أولئك الصنائع في كسر شوكة المقاوم وتهيئة المكان والزمان لمزيد من الاستعلاء الصهيوني باغتصاب المزيد من مستقبلنا ومحو ماضينا وإحباط حاضرنا .
وعلى يدي الصانع والصنيعة أريقت دماء ، وسالت بها أنهار ، فلا صاحب الحق بمنهزم ، ولا الغاصب بتارك ما اغتصب ، ولا الصنيعة بقادر على أن يعتق نفسه ( هذا إن أراد ) وبهذا تشكلت معادلة الصراع في العشرين سنة الماضية، ولا تزال كلمات ( ليبرمان ) زعيم ( إسرائيل بيتنا) التي قذفها في وجه الزعامات العربية محفورة على صفحة ذاكرة من يأبى النسيان حيث قال : (من هو عرفات ؟ إرهابي نستطيع أن نعتقله في غزة أو نطرده منها في أي لحظة نريد) وقد كان ، بل وأكثر ، فحاصروه في رام الله على وجه مهين ومذل ، ثم قتلوه على أبشع صورة وأحقرها ! وأضاف ( ما هي سوريا ، ومن هو رئيسها ؟ نستطيع أن نقصم ظهر سوريا بضربة واحدة قاضية ) ولم يكن ، ولم تضرب سوريا ، ولم يقصم ليبرمان ظهرها ، فلقد أجاد النظام السوري كيف يدير الصراع .
وأضاف : ( من هي مصر ؟ نستطيع أن نرسل الطوفان بقنبلة نووية واحدة فوق السد العالي ، ويصبح المشروع الذي تصورته مصر أمل حياتها هو نفسه نهاية حياتها ) ولم يجرؤ ليبرمان على ذلك ، ولكن الملاحظ أنه هو أول زعيم إسرائيلي يقر بامتلاك (إسرائيل) سلاحاً نووياً ، اعتبر بيريس التكتم عليه ( فزاعة ) يرهب بها العرب ، فينتزعون منهم المواقف ، مثل القرار الأخير للجامعة العربية الذي وضعها في حرج شديد بعد استهانة نتنياهو – على طريقته – بموافقته على بناء 1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية بعيد صدور قرار الجامعة ( غير الحكيم ) ، فنتنياهو كأستاذه شارون لا يطيق الانتظار ، وليس لديه وقت كاف لأن يفاوض بلا بناء جديد من المستوطنات ، وهذا ما اشترطه – شكلا- عباسهم ، ثم تنازل عنه ، وها هو يعود إليه بزعم كبير المفاوضين للصحف الفرنسية . ومن هذا يمكن استخلاص :
أولا: إن تحدي المفاوضات والسلام لا يساوي – عند نتنياهو – جناح بعوضة ، وأما التحدي الحقيقي الذي أعجز نتنياهو ومن سبقه فهو المقاومة لا غير
ثانيا: إن عباس ليس بأخطر من عرفات ولا أقوى، وخطيئة عرفات أن اغتر بالسراب الأمريكي وحسبه ماء، وعندما أفاق كان قد فات الأوان، فقتل ظمآن وقتل معه أحلامه ، وهذا ما سيصير إليه عدو المقاومة عباس على يد إسرائيلي
ثالثا: حبذا لو التزم قادة العرب بحقيقة الأمر، فأبدوا قليلاً من التحدي على طريقة الانتفاضة والجنوب ، لما استطاعت (إسرائيل) إلا الإذعان .. فهل يمكن أن يجربوا ، فلقد تغير الزمان والمكان والإنسان ؟.