بقلم: د. عبد الله الأشعل
الانتحار يعني أن يخرج شخص نفسه من الحياة بإرادته؛ لأنه ضاقت به أسباب الدنيا، وتأخرت عليه رحمة السماء، وصار فريسة لقسوة الدنيا وتصاريف القدر، وقد يكون قرار الانتحار مبنياً على تصورات ساذجة أو مبالغة من نوائب الزمن، أو أن يكون نقص في الايمان والرضا بالقضاء والقدر حلوه ومره، وأن ينسي أن الدنيا بطبيعتها ابتلاء واختبار. وقد يكون قرار الانتحار نابعاً من مرض عقلي هون الموت على الحياة، وأعمى صاحبه عن مخاطر القرار. ورغم ذلك فإن الانتحار في الغرب فعل إرادة وتعبير عن الحرية المطلقة، بأن يقرر الإنسان مصيره في الدنيا بحرية تامة، فإما أن يبقى فيها أو يخرج منها، ولكن الانتحار في الشرائع السماوية قمة الخطايا؛ لأنه يعني عدم الرضا بقضاء الله، كما يعني انتزاع حق الخالق في إنهاء الحياة، أو هكذا يتوهم.
أقول ذلك ونحن نتابع جميعاً كيف أن الحكومات العربية تدرك جيداً أن استسلامها لأمريكا و'إسرائيل' ليس خيار شعوبها، لأن واشنطن التي ترفع شعار الحرية والمساواة والعدل وحقوق الانسان والكرامة هي نفسها التي استلبت كل هذه المعاني من العالم العربي وسلمتها لـ'إسرائيل'. ولذلك فإنه رغم أن نتنياهو تحدث بصراحه عن أنه يسعى إلى ضم كل فلسطين إلى 'إسرائيل'، وأن الكنيست يقوم بدوره بشكل مستمر في إصدار التشريعات اللازمة لطرد عرب 48، والتدليس على العالم بأن 'إسرائيل' رغم ذلك تريد السلام، ولكن مشكلتها هي أنها لا تجد عربياً جاداً يقوم معها ببناء السلام العادل، رغم أن السلام العادل عندها هو طرد الفلسطينيين، وتهويد أراضيهم، وهدم المسجد الأقصى، وإحياء التراث اليهودي المزعوم. ويدرك الحكام العرب أيضاً أن 'إسرائيل' تستغل الوقت لتنفيذ هذا المخطط المرسوم، وتستعين في ذلك بعدد كبير من الأدوات، أولها أن تخضع واشنطن الحكومات العربية لهذا المصير، والثاني أن تعمق الصراع في الصف الفلسطيني، والثالث أن تسعى إلى إزالة المقاومة لهذا المشروع بكل الطرق، وأهمها تجفيف البيئة العربية، ومنعها من مساندة المقاومة، بل وضمها إلى مشروع مناهضة المقاومة، ومطاردة زعماء المقاومة واغتيالهم حتى داخل الدول العربية، وقد تردد في الأسبوع الماضي أن أحد أجهزة المخابرات العربية ساهم في الاغتيال؛ لأن المبحوح كان يمتلك معلومات خطيرة عن هذا الجهاز، إذا أضفنا إلى ذلك اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم 4 مارس 2010 الذي رخص لأبو مازن بإجراء مفاوضات غير مباشرة مع 'إسرائيل' لمدة أربعة أشهر، وإذا فشلت هذه المفاوضات فقد هدد الوزراء باللجوء إلى مجلس الأمن. ومن الواضح أن هذا القرار يعكس الاستسلام الكامل لـ'إسرائيل' وتفويضها بتصفية القضية الفلسطينية، ويبدو أن الوزراء العرب قد أجبروا على الاجتماع واتخاذ القرار حتى يكون بأيديهم متطابقاً مع ما بيد عمرو. وهذا يدل على حالة الاستلاب التي نتحدث عنها، ولو خير العرب لما اجتمعوا في القاهرة ولما قدموا غطاء رسمياً لـ'إسرائيل' حتى تهدم الأقصى، وتستمر في تهويد القدس. ولذلك أقترح أن يكف العرب بعد ذلك عن المزيد من الإجراءات التي تسيء إليهم، وتُعَمِّقُ حالة الهوان التي وصلوا إليها، وأن تكف الحكومات العربية عن الحديث عن أي شيء يتعلق بفلسطين أو المسجد الأقصى، ولْيَدَعوا الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية وحدهم. إن مؤدى هذا القرار رفع الحرج عن 'إسرائيل بقرار عربي'، وظهورها للعالم بمظهر المنغمس بحثاً عن السلام، ووقف الملاحقات القضائية لجرائمها في غزة، ولذلك كان موقف العالم العربي في الجمعية العامة للأمم المتحدة واضحاً في منح فرصة لـ'إسرائيل' في مشروع القرار حتي تفلت من الضغوط الدولية.
فإذا كان الحكام العرب يجدون في هذا الانتحار حياة لهم، فإن الأمة الموحدة تعرف أن قدرها هو مقاومة هذا الذي يفرض عليها، فلينتحر من ينتحر، ولكن إرادة الحياة لهذه الأمة سوف تنتصر على هذا المشروع الصهيوني. هل توافق الشعوب العربية على قرار الانتحار والتردي الذي يصدر من حكامها؟!
إنني أطالب الحكومات العربية أن تواجه المشروع الصهيوني؛ لأن التهرب من المواجهة أدى الى تدلل 'إسرائيل' وتعنتها وتمسكها بإفشال كل فرص السلام. لا بديل عن المقاومة، وخير البر عاجله.