7 مارس

نشر 07 مارس 2010 | 08:46

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

اليوم هو ذكرى انسحاب اليهود سنة 57 عن قطاع غزة، بعد احتلال ما يزيد على أربعة أشهر ، ولا تكاد تنسى الفظائع التي ارتكبها الصهاينة ضد شعب أعزل إلا من إيمانه بحقه.

 

كان الاحتلال ثمرة لعدوان ثلاثي على مصر ( ثورة 23 يوليو ) عبد الناصر ....

 

كانت الثورة قد أحدثت إرباكا هائلا من تحت أقدام الاستعمار القديم ( بريطانيا وفرنسا ) ومخلبه (إسرائيل) .

 

لم يكن قد مضى على ولادة (إسرائيل) إلا ثماني سنوات وبضعة أشهر ، ولم يكن قد مضى على الثورة إلا أربع سنوات وأربعة أشهر ، كان القرار قد اتخذه رؤساء الوزراء : جي مولييه ( فرنسا) ، أنتوني أيدن ( بريطانيا ) ، ديفيد بن غوريون ( إسرائيل ) ؛ وأما الأوليان فبحجة أن ناصر قد أمم الشركة البحرية لقناة السويس، وأما بن غوريون فرأى في ثورة يوليه ( القومية ) خطرا يتهدد كيانها خاصة بعد أن برز عبد الناصر كقائد قومي شاب ( 38 سنة ) لمع نجمه في مؤتمر باندونج سنة 1955، واجتاحت شعبيته أقطار الدنيا ؛ لمواقفه وخطبه الرنانة ضد الاستعمار والامبريالية ، وطموحه في بناء جيش قوي ، وبناء السد العالي ( اقتصاد قوي ) ، وصناعات ثقيلة ، ثم التطلع إلى وحدة عربية من المحيط (الثائر) إلى الخليج ( الهادر)، وكان قد أظهر عداء صارخا للكيان الصهيوني تأكد خطره (لإسرائيل) عندما نجح في كسر احتكار السلاح الغربي ، فتوجه إلى الشرق، فزودته به تشيكوسلوفاكيا ( حلف وارسو) ، إضافة إلى تبينه لعمل فدائي حقيقي ، قاده الضابط المصري الشاب مصطفى حافظ .

 

إذن فليضرب مشروع ناصر التحرري الوحدوي القومي ، فاستبسل الشعب المصري وخاصة في بور سعيد ، ووقف المجتمع الدولي ( لأول مرة وآخرها ) مع القضية العربية ، وكان لموقف الاتحاد السوفيتي بقيادة خورتشوف وبولغانين دور حاسم في إنهاء العدوان ، وأما أمريكا (روزفلت) لم تكن موافقة على القرار ، ولا مشاركة في العدوان ( كما كان يبدو ) بل وأرادت توريط كل من بريطانيا وفرنسا في هذه الحماقة لتخرجا خاسرتين لتخلو لها بعد ذلك الساحة، وفعلا قد كان.

 

في مثل هذا اليوم كانت مكبرات الصوت تملأ أسماع قطاع غزة منذ منتصف الليل، تطلب إلى الناس عدم مغادرة بيوتهم ، كانت السماء شاتية ، وعند انبلاج الفجر لعلع الرصاص ، وانتشرت همسات أن اليهود قد انسحبوا ، وحلت محلهم قوات الطوارئ الدولية ، فخرج الناس ليتبينوا الحقيقة ، فلعلعت الزغاريد واعتبر الناس ذلك اليوم يوم نصر أعقبته سبعة أخرى صدر في نهايتها قرار بعودة الإدارة المصرية للقطاع ( 14 مارس ) تشكل من مجموعها ما احتفل به الفلسطيني لسنوات عشر بما سمي احتفالات أعياد النصر ، كان آخرها سنة 1967 حيث أتى الشقيري رئيس (م. ت. ف) مشاركاً وخطيباً ليعلن إلغاء الاحتفال بها في العام القادم ، لنتفرغ للإعداد لانتصارات جديدة !!.

 

وفعلا كان 7 مارس 1967 هو آخر الاحتفالات ، ولكن لم تأت الانتصارات التي بشرنا بها الشقيري ، بل النكسة التي نعيش سنواتها الثلاثة والأربعين العجاف في يوم ذكرى 7 مارس ، لقد وقعت النكسة بعد عشر سنوات من ذلك الانتصار ، الذي عشنا أحلامه وسرابه ، كنا نفكر بآذاننا ، وتهتف بها حناجرنا ، ونجري وراء أوهام وخيالات ، وإذا بالنصر ليس بنصر ، وإذا بالهزيمة هي الحقيقة ؛ هزيمة في بناء الإنسان ، والاقتصاد ، والانتماء ، هزيمة في الأمن والأمانة ، هزيمة في القرار والتحالفات ، كانت السنوات العشر قد سبقتها ثماني منذ أن حلَّت النكبة ، لم يتقدم العربي فيها تقنياً ولا اقتصاداً ولا جيوشاً عن ذلك اليوم الذي انتصرت فيه عليهم ( عصابات الصهاينة ) وإن تقدموا فبالمظاهر والمارشات والتزاويق فحسب، وازداد القرار مرضاً ، وتكرست الخلافات وتعمقت ، والعجز هو العجز وأعجز ، والوجوه هي الوجوه وإن اختلفت الأسماء ، وتغولت (إسرائيل) ، وضاعت المقدسات والكرامة ، والجيوش هي الجيوش ، والخطب هي الخطب ، ومما زاد الطين بِلَّة ما قيد به العرب أنفسهم من اتفاقات ( سلام !! ) اسمها كامب ديفيد حيناً , وأوسلو حيناً، ووادي عربة حيناًَ ، والحبل على الجرار ، وسقى الله السنين الثمانية بالمسك والعنبر ، فقد كانت فيها (إسرائيل) شيطاناً رجيماً ، يتخذه الأعراب ( عدوا ) ، واليوم وفي 7 مارس 2010 سيحل ديارنا جورج ميتشيل ليضع نيراً جديداً على عاتق الفلسطيني ، ولجاماً من نار ؛ كي لا يتفوه يوماً باسم فلسطين ... ولكن وكما قلت قبل يومين فإن للتاريخ منطقاً آخر ، سنسمعه ذات يوم ، ونقرأ سطوره ، ونرى أحداثه ووقائعه .