بقلم: د. يوسف رزقة
(هآرتس): وثيقة عريقات السرية تحكي إحباطاً ومصيراً بائساً تواجهه السلطة. عباس محبط، وكبير مفاوضيه أكثر إحباطاً. حسناً أن يواجه الرجلان الحقيقة المؤلمة التي طالما أخفياها عن الشعب الفلسطيني. مواجهة الحقيقة خير من الهروب منها. الحقيقة تقول لا توجد مسيرة سلام من أصله . ما هو موجود مفاوضات غير موزونة، وجري خلف السراب. ستة عشر عاماً وصائب عريقات يلهث وراء الكاميرا باسم السلام والمفاوضات ويبيع الشعب أوهاماً يدرك حقيقتها محمود عباس قبل غيره .
لا توجد مسيرة سلام حتى تعرقلها حركة حماس كما يزعم صائب عريقات في وثيقته المكونة من واحد وعشرين صفحة كما تقول المصادر المطلعة . ما يوجد هو استدراج سنوي تراكمي نحو الاستسلام والقبول بما تعرضه (إسرائيل). جيمس بيكر (وزير الخارجية الأمريكي السابق) كان أول من طلب من المفاوض الفلسطيني الذهاب إلى مدريد والقبول بما تعرضه (إسرائيل) منذ مدريد وحتى اليوم، وعباس وعريقات يسمون الأشياء بغير أسمائها ويزعمون أن هناك مسيرة سلام وتفاوض ، وأن المفاوضات هي الطريق الوحيد لتحقيق الآمال الفلسطينية.
اليوم وبعد أن تراجعت القضية الفلسطينية بسبب سياسات عباس وعريقات إضافة إلى قمع المقاومة وتجريمها وإسلامها لأجهزة الأمن الإسرائيلية، يعترف صائب عريقات بحالة الإحباط، ويعرض سيناريوهات جديدة للحل منها: حل السلطة الفلسطينية، والذهاب إلى دولة ديمقراطية ثنائية القومية !!
أن يصحو كبير المفاوضين متأخراً خير من أن يستمر في غفوته ، لذا أودّ أن أجزي له شكراً إذا فكر بحل السلطة، وهو تفكير يدل على أن السلطة كانت معوقاً رئيساً من معوقات التحرير وتقرير المصير. إنه لأول مرة في تاريخ الصراع البشري تقوم سلطة قبل التحرير وقبل الدولة. إنه لا داعي للخوض في الأسباب التي دفعت قيادة (م. ت. ف) للهرولة باتجاه السلطة قبل التحرير ، ويكفي أن نجمع معاً على أن ما كان كان خطأ أخّر التحرير وأفسد ألق تقرير المصير وضلل الشعب، وأدخل مقاومته في متاهة مضطربة المداخل والمخارج، وأخرج النظام العربي من دائرة الصراع الواجبة، وفتح أمام (إسرائيل) معابر التطبيع.
إن قيام السلطة قبل التحرير وتقرير المصير أفاد (إسرائيل) وأطال عمر الاحتلال وغطى وجهه البشع باحتلال (ديلوكس) غير مكلف، فمهام دولة الاحتلال المكلفة صارت مهاماً للسلطة ، وأبقت الاحتلال سيداً تحت شعار التسوية والمفاوضات .
إن ما قدمه كبير المفاوضين في وثيقته قد يمثل نقطة إيجابية يتيمة في كلامه الكثير، غير أن مراجعته هذه ينبغي أن يتوجه بها بموافقة عباس والتعاون معه إلى الشعب الفلسطيني، وهو مطلب شعبي وفصائلي متكرر، لأن المراجعة هي من حقوق الشعب التي طالما قفز عنها المفاوض الحالم. حل السلطة في النهاية سواء أكان ذلك ممكناً أم مستحيلاً هو تعديل لانحراف البوصلة والاتجاه إلى التحرير وتقرير المصير.