أدباء المراحيض

نشر 01 مارس 2010 | 03:06

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

أحد ( الكتبة ) ظهرت عبقريته في الشتم والسب والدعاء بالشر ، كما احترف السخرية والاستهزاء بخلق الله، واختلاق وقائع الانحراف الأمني والأخلاقي لأناس معروفين من رسميين أو أكاديميين يصل إلى رميهم بالشذوذ أو العمالة، فضلا عن الغباوة أو النفاق أو التفاهة أو الخيانة ، وعندما كان يراجعه أحدهم يكون جوابه : ( هو الفن ومقتضياته ) وكان البعض يعجب مرات ثلاث :

 

الأولى: من نفس هذا المخلوق، وما صارت إليه وما هي دوافعه، وإلام يهدف ؟ ولمصلحة من ؟ فحار الحكماء والحلماء معا إذ لم يجدوا للجواب من سبيل .

 

الثانية: كيف يكون له هذا القاموس من الشتائم والسباب ؟ ومن أين تحصل عليه ؟ كيف يوظفه ؟ ألا يتقزز من قلمه وهو يقذف بهذا السيل من البذاءات ؟

 

الثالثة: أليس في تكوينه زاوية ما يقفز منها سؤال : ألا تجعل خطا للرجوع؟ ولماذا تحرق سفنك كاملة ، رغم أن بحر الحياة لا أمان له ؟ ألم تحسب حسابا للحظة لقاء تضطرك إليها الضرورة إذ لا بد للأحياء من لقاء ؟ ألا تدخر بقية حياء أو معذرة ؟

 

وكان هناك صديق قد نالته بذاءات ( صاحبنا ) مرارا، وساقته دوامات الحياة لقاربه لينجو، وفعلا يأخذ بيده، فإذا ما وجد نفسه على الشاطئ امتشق قلمه ليصب اللعنات والافتراءات ليمارس حرفته (ضد القارب وصاحبه ) من جديد، وهكذا .. ومما يحير العقل أن قد بلغ به الأمر أن يقذع في شتم شخص ( ما ) ثم يأتي في الصباح ليجلس إليه ليمازحه ، ويأخذ معه ( القهوة ) لدقائق تقصر أو تطول لا يتوقف لسانه خلالها من التملق للحاضر والسب في غائب، أو تسفيه رأي من لا حاجة آنية له عنده !! ما يثير الاشمئزاز والكراهية والإحساس بثقل ظله ، ولا يقوم إلا وقد ترك ما يجلب له الاحتقار واللعنات !!

 

قال أحد ضحاياه : ' ما يكتبه أشبه بما يكتبه التلاميذ على حيطان المراحيض فيما يمكن تسميته (أدب المراحيض) والحيطان هي الصحائف، وهي مما لا يخلو منه شعب ولا بلد متحضر أو غير متحضر ' كان التشبيه واقعيا وصادقا .. وأضاف ( الضحية ) لا يقدم على ذلك إلا طفل مسحوق فاشل وجبان ( مش ابن ناس ) على حد قوله ، وكل الذي تغير –هنا- أن حيطان المراحيض تلك هي بعض مواقع ( النت عند البعض ) ففي لحظات إحساس بالدونية وبالصغار وتفاهة الشأن يأخذ ( الأديب) في صب بذاءاته على غيره ، وقد يكون هذا غير الولي لنعمته، أو مسئوله ، أو أستاذه أو جاره ، يلقاه بالبشر ، وإذا انفرد كتب فيه ذلك ( الأدب المراحيضي ) ولا يشعر بخسة نفسه ووضاعتها ، ولا حقارة شأنه، ثم ليحار الحكماء والحلماء في العجائب الثلاث ، ولعل ما يدعو إلى الحنق والغضب أن بعض الطيبين يرددون ما قرأوا على مسامع محدثيهم لينشب من ذلك عراك وشجار وجدال ، وقد يكون الأديب أحد المشاركين ، بل والمدافعين عن الضحية ( خسة وعتوا ) ويفشوا القيل والقال دون مستند أو دليل ، وإذا ما أراد مراقب أن يتابع أو يهتم للأمر فلا يجد للأمر بداية أو من يبتدئ ولا أمل في النهاية !! ليقفز إلى الأذهان سؤال وآخر وثالث : ما الحل ؟ وكيف ؟ وممن ؟ ولا جواب !! فهذا ( الأدب ) له ( أدباؤه ) وهم دائما مجهولون ، فما أن يغلق أحدهم على نفسه ( مرحاضه ) حتى يبدأ في ( التدوين ) فيغمد قلمه في الجدار وفي الأبواب وعلى السقف، ولا يبالي أن ينبعث منها أو بها العفن ، والمواضيع هي مكرورة ممجوجة ؛ فلان يسرق ، وفلان يختلس ، وفلان فاسد ، وفلان حرامي ، وفلان تزوج ، وفلان سمسار ، وفلان حوكم ، وفلان مسجون ، وفلان عميل ، وفلان تزوج على زوجته ، وفلان اشترى عمارة أو برجا أو أرضا بالملايين ، وفلان مرتش ، وفلان حمار وابن حمار ، وفلان منافق أو زنديق ، وفلان ( كذا ) وزوجة فلان فعلت وتركت ، ويملك فلان كذا وكذا وقد كان لا يملك شيئا ، وفلان ضرب أمه وأباه وطلق زوجته , وهكذا ... ما يعكر صفو النفوس ، ويجعل ( الضحايا ) في قفص الاتهام أو الإدانة ، ويثير الشكوك ويزرع ا لأحقاد ..

 

فيطغى كل ذلك على العمل وحس أدائه ودقته ، ويبعث الأسى والحزن، فكل هذا يحقق أغراض الصهاينة وأهدافهم ، وينبغي ألا نراها إلا من هذا الجانب ، حتى يتوقف البسطاء والعابثون عن هذا ، وحتى يولي القائمون على البلاد والعباد لهذا ( الأدب ) اهتماما خاصا ، ولن يعجزوا عن الوصول إلى ( محترفيه ) و (مرتزقيه ) ويكسروا أقلامهم ليسيل ما فيها على تلك الوجوه .