حب مصر

نشر 01 مارس 2010 | 02:59

بقلم: د. أحمد نوفل

 

في المقال الافتتاحي لمجلة الهلال في عددها الخاص لشهر فبراير 2010 وهو العدد الذي حمل عنوان: 'التراث الشعبي المصري ثقافة انتماء' قال رئيس التحرير عادل عبد الصمد في افتتاحية العدد، وهي بعنوان: 'لا بد أن يدرك أبناؤنا قيمة الوطن وتاريخه وحضارته وأعلامه حتى لا نتركهم فريسة للأكاذيب' قال: 'مصر الغالية أكبر من المسميات والأطراف والتيارات والمذاهب والمصالح، ومهما كان الاختلاف في الرأي إلا أن الذي لا يمكن الاختلاف عليه هو اتفاق الجميع على وحدة الوطن، والتصدي لأي بادرة تهدد هذه الوحدة. فواجب كل مثقفي مصر الوقوف في خندق واحد لحماية الأمن القومي لمصر العظيمة.. مصر الحضارة.. مصر التي تغنى بها الشعراء. يا مصر يا أنشودة الدنيا وأغنية الشعوب.. إلخ'

 

وهو على الجملة كلام ظاهره جميل، ولكن لا تغرنك المقدمات الجميلة، فكم انتهت نهايات وبيلة! ثم هذا التغني الكاذب بحب مصر إن لم يبن عليه نتائج صحيحة مستقيمة فهو متاجرة ومزايدة ومهاترة. ثم ما معنى: 'مصر أكبر من المذاهب'؟ هذا كلام حمّال خطر.

 

ولا تفرح بحكاية: 'مهما يكن الاختلاف فيجب الاتفاق على وحدة الوطن، وأمنه القومي'

 

فالمقصود من هذه المقدمة كما سيتبين من المقال غير الذي تتوقعه أيها القارئ، وهنا التدليس. فأما الوحدة فالمقصود إسكات الأصوات التي تعارض بعض إجراءات النظام المصري ضد غزة، وتهديد الأمن القومي، سترى أنه مفهوم ممسوخ مشوه مقتصر على هذا الأفق وحده، فلا تهديد للأمن القومي المصري الراسخ الثابت الشامخ الفائق، إلا من البؤساء في غزة!

 

على كل حال لا تظنن أننا ادعينا على عبد الصمد ما ليس في مقاله، فبعد تلك المقدمة الفضفاضة الفائقة الحسن، قال مباشرة: 'فالحذر كل الحذر يا أبناء مصر من مروجي الشائعات والفتن والأكاذيب.. فالكلمة مسؤولية (يا سلام يا جدع لو فهمت معنى ما تقول والتزمته وما تاجرت بالكلمة!) ويجب أن نتوخى الحذر.. فالمسألة تمس مصر.. الوطن والانتماء..' ثم يمسخ هذا التمهيد والتقديم ويقزم ويبتذل ويوظف لخدمة سياسة خاطئة، ومصلحة فرد يعمل لصالح قوى كبرى، وتبتذل لتبرير وتمرير وتسويغ أفعاله كل القيم..

 

أقول بعد هذا التمهيد إذ بالحديث يقنّى له ليصب في الجدار ورفح وما جرى من تعطيل شريان الحياة والإساءة للإخوة المتضامنين مع غزة. ثم يعرج على نجع حمادي. ولا ندري من فعل أحداث نجع حمادي، فمن تجربتنا وخبرتنا بعصر السادات أنه كان بأجهزته يفتعل أزمة بين الأقباط والمسلمين ثم يقوم بدور المصلح الذي يعالج مشكلات الوطن وشرائحه ومكوناته!

 

ثم بين الكاتب عبد الصمد رئيس التحرير المعتمد أن 'مصر مستهدفة لتحقيق أجندة خارجية لتمزيق وحدة الوطن، وتقزيم دور هذا البلد الطيب، وتسابقت بعض الفضائيات وبعض الصحف المستقلة في مصر، في الهجوم على مصر ومكانتها للنيل من تماسك الجبهة الداخلية، وإحداث تصدع في بنيانها الوطني'.

 

كنا نتمنى لو بين لنا الأخ الرئيس من الذي يستهدف مصر؟ طبعاً لا يخطر بباله استهداف 'إسرائيل' وأمريكا، بل سيخطر بباله كل الجن والإنس والعوالم المنظورة وغير المنظورة عدا المذكورتين.

 

ثم يا أخ عبد الصمد من الذي يقزم مصر؟ أليس الذي يسلخ مصر عن محيطها العربي والمسلم ويلحقها بمخططات 'إسرائيل' وأمريكا هو من يقزمها؟ ومن سوى صديقتكم 'إسرائيل' يسعى للشرخ الذي شرحته لنا وشرخت أدمغتنا به؟ أما كل مسلم في الأرض فلا يحب إلا أن تكون مصر سيدة الدنيا -إي والله- ولكن المنافقين لا يعلمون!

 

إن الذي مزق العراق هو ذاته الذي يسعى إلى تمزيق مصر. ومن الذي كان يحرك أقباط أمريكا لإثارة الشغب في وجه مبارك في كل زيارة له لأمريكا؟ أليست صديقتكم أو حليفتكم أو سيدتكم أمريكا يا عبد الصمد؟

 

ونواصل مع عبد الصمد في مقاله إذ يقول محرضاً ضد العرب وضد غزة والمتضامنين معها، ناسياً العدو الحقيقي الذي يمتص نفط مصر وغازها بسعر الاستخراج أو أقل، ويحرم شعب مصر من أسطوانة الغاز وهو في أمس الحاجة إليهاأ وقد وصل سعرها 80 جنيها كما في الإعلام المصري نفسه، يقول عبد الصمد: 'هل مصر تستحق منا أن نقف مكتوفي الأيدي وهي تهاجَم من كل حاقد يريد أن ينال منها ومن كيانها وكبريائها؟ لماذا يتركز الهجوم على مصر من بعض جيرانها العرب؟ والسؤال الأكثر إثارة للدهشة والتعجب: لماذا يشارك بعض المصريين في إطلاق سهام التخوين والتفريط لمصر الغالية (يا ولد!)؟ ولو كانوا صادقين ما هاجموا مصر وإجراءات مصر لتأمين حدودها، وخاصة أن منفذ رفح (تأمل العبارة!) أصبح بمثابة مسمار جحا الذي يتخذ منه المزايدون حجة للهجوم المستمر بين الحين والآخر.. آخرها قافلة شريان الحياة التي قادها جالاوي، فمصر رحبت بدخولها (نشهد والعالم يشهد!) وقدمت كافة التسهيلات (أصابك الله بمثل 'التسهيلات' التي قدمت!) ولكن جماعة الشر (هذه الجماعة غير محور الشر بتاع جورج بوش الصغير والأخ عبد الصمد على الخطى والأثر!) نعود للأخ الريس الذي قال عن جماعة الشر الذين أرادوا إثارة الشغب وبث الفتن وقاموا بتغيير خط السير ليحقق جالاوي الفرقعة الإعلامية التي خطط لها لإحراج مصر (بالحاء). وانتهت مؤامرة جالاوي باستشهاد جندي مصري بواسطة قناص من حماس (حققوا يا عبد..) وهي ممارسات تصادمية تشعل نار الفتنة التي يتكسب منها بعض المرتزقة.. (يا أخ عبد الصمد. إما أنك جاهل مغيب أو كاذب محترف. فالذين أفقروا مصر المرتزقة. والذين نهبوا شعبها هم أعداؤها. أما حماس وغزة فقد احتفلوا بفوز مصر في الكرة، وهو الميدان الوحيد، حتى مطلع الفجر، فلو كانوا أعداء لمصر لم يحتفلوا يا..)

 

ثم شتم جالاوي بما شاء له خلقه الرقيع (بالقاف لا بالفاء) وأنه متكسب. يا عبد الصمد هل من يسافر شهرا في هذا البرد والثلج متكسب؟ وماذا سيكسب؟ ولعلمك يا أيها المتكسب المتاجر المدعي حب مصر، وما مصر إلا بقرة تحلبونها ثم تشتمونها، كما ذكر الأستاذ هويدي عن رئيس تحرير للأهرام أعطى هويدي درساً في حب مصر، ثم لما خرج من الخدمة وحلب البقرة قال عن مصر وقد لقيه هويدي في لندن: 'بلد بنت كلب ما تستاهلش الخدمة!'

 

ثم يقول المحروس بعد أن صال وجال في موضوع تكسب المال، قال: 'إن كل مصري شريف (يعني زي سيادتك!) يؤكد حق مصر الكامل (يا كامل!) في تأمين حدودها عند معبر رفح (هزلت السيادة يا جدعان، لم يظل لتأكيد السيادة والأمن القومي وكامل وصوفه.. إلا من خلال خنق معبر رفح وسور الفولاذ الذي يبنيه ذو القرنين العربي!)

 

نواصل بعد معبر رفح 'وعدم المساس بأمنها القومي (دعاوى زائفة!) واتخاذ ما تراه مناسباً للحفاظ على سيادتها (ألم أقل لك. وهل لاحظت البون والبين ما بين المقدمة والمؤخرة في مقال الأخ..)

 

ثم سأل المهروس: 'هل تقبل أي دولة في كافة أرجاء المعمورة (ولا المخروبة) وجود أنفاق تحت أرضها تهدد أمنها وسلامتها وسيادتها؟'

 

أولاً: يا أخ عبده. كم عمر هذه الأنفاق؟ ومن الذي 'نحت' هذه الأنفاق؟ ومن المستفيد منها؟ عمرها سنوات، بعدد سنوات عمر الحصار على غزة، فلماذا الآن بعد اتفاق (كوندا-ليفني) وتشديد الحصار البحري من قبل أمريكا 'والأطلسي'، والبري من قبل مصر. هنا مربط الحمار. ومن حفر الأنفاق بدو سيناء، يعني الشعب المصري؛ لأنه يرتزق منها، إذ يبيع السلع من دقيق وزيت بأضعاف ثمنها.. فهي له كقناة السويس لمصر.

 

خلاصة القول. لقد نجح الاستعمار في تجنيد كثير من الأقلام تتكسب وتملك من الوقاحة ما ترمي به غيرها مما هو من صميم صفتها. تماماً كالسلطة الفلسطينية ورموزها إذ تعتقل عناصر حماس بتهمة التعامل مع 'إسرائيل'.

 

كوميديا سوداء. وسود الله وجه كل عميل لـ'إسرائيل'. يا أخ عبد الصمد ويا أخ عزام الأحمر ويا أخ مصائب، وبقية الفرقة: قولوا آمين!

 

وعمار يا مصر. حقيقي بقى.

 

ولمصر سلام، وسلام على مصر، من محب لمصر.