أدب عباس ووقاحة نتنياهو

نشر 25 فبراير 2010 | 09:23

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

لم يتأخر رد عباس على خطوة نتنياهو بضم مسجد بلال ( بيت لحم ) والحرم الإبراهيمي لقائمة الآثار اليهودية فقال فخامته : ( هذا أمر استفزازي ) أو كما قال. وأضاف كبير مفاوضينا : ( إن هذا لا يخدم عملية السلام ) مما استفز ( نتنياهو ) فوصف تصريح عباس بالدعاية ( الخبيثة ) وهنا وجبت المقارنة فعباس مؤدب ، وداعية سلام ، وأما نتنياهو فغير مؤدب ، وبلا أخلاق ، لا يريد سلاما ولا يعمل له ، وأعترف أنني ما فهمت المعنى الذي أراده عباس من كلمة ( استفزاز ) ثم كيف فهمها نتنياهو؟ هناك احتمالات :

 

الأول: ( جفل ) لما أصابه من ( ذعر ) لضم المسجدين، ولقد فاجأه الأمر وقد كان مستغرقا في التفكير في الفرق بين ( مباحثات ) و ( نقاشات ) و ( مفاوضات ) التي شرحها نمر حماد، وما الذي يصلح منها أن يكون مباشرا أو غير مباشر ، ثم ما هي الأسس التي تجعل من غير المباشر مباشرا، أو التوقف عن هذه ( المسخرة ) وهذا ما لا يمكن وقوعه قط ، وإلا فإنه يفقد مزايا ( المساخر ).

 

الثاني: أنه ( انتفض ) وعقد العزم على ألا يعود إلى المفاوضات قط حتى يرغم نتنياهو على شطب هذين الموقعين من قائمة الآثار، وهذا من رابع المستحيلات، حتى وإن خبط عباس رأسه في جبل الخليل.

 

الثالث: أنه لم يعد يؤمن بمسيرة السلام ، وبالتالي يكون معنى ( استفز ) هو قفز وانتقل من النقيض إلى النقيض، وبالتالي نرى عباس وقد أعاد للمقاومة اعتبارها، وأطلق حريات المجاهدين والمناضلين ، واشتعلت الأرض بالغضب من تحت أقدام الصهاينة المجرمين ، وهذا المستحيل الألف ، فإن تكوين عباس النفسي والسياسي والتاريخي يمنعه أن يرمي على (إسرائيل) ولو وردة.

 

الراب: أنه وهو عميد فريق لو ضربهم بيبي على خدهم الأيمن لأداروا له الخد الأيسر ، ولكن أن يضم الحرم الإبراهيمي هو ما (يستفز) عباس رغم أنه ( المضموم) فعلا منذ عشرات السنين، ويمارس يهود فيه طقوسهم فعلا منذ عشرات السنين ، ونفذ باروخ جولدشتاين فيه مذبحة راح ضحيتها عشرات المصلين من المسلمين ، وأن ( كريات أربع ) هي المالكة الحقيقية للخليل لا للحرم الإبراهيمي فحسب، فما بالك بقبر ( راحيل ) الذي جعل منه شركاء عباس - في صناعة السلام- مزاراً ليهود العالم، وغيروا معالمه، وطبعوه بطابع تلمودي منذ عشرات السنين، وما مسجد بلال بن رباح إلا حبيس قديم، وما استفز حبسه فريق المفاوضات، وما الجديد في الأمر إلا إعلان نتنياهو الذي أحرج فخامته بما أجبره أن يقول ما قال ، ليضع الطين في عيوننا ، ونهتف من أعماقنا أن لنا رئيسا (يستفز) ولم يفقد الشعور أو الإحساس ، وهنا يأتي نتنياهو ( الهمجي) ( المتحدي ) ليصف سلوك عباس بالخبيث، ليترك للمراقب مساحة للتفكير فيما يقصده نتنياهو، وأيضا هنا احتمالات :

 

الأول: الخبيث هو الشيطان الرجيم ، ونتنياهو ليكودي ذو فكر تلمودي متطرف يعرف هذا الشيطان ، فإن كان يقصدها فكيف يجالسه أو يدعو لمجالسته والاتفاق معه ( مجازا لا حقيقة ) أو الاستعداد لذلك ؟ إذن وقد اتخذ بيبي عباس عدوا لا بد من تضييق الخناق عليه حتى يزيله عن الوجود الذي أقر له عباس به .

 

الثاني: الخبيث هو الشيء النجس ( حسيا كان أو معنويا ) وكل ما يستقذر، وبالتالي فهو مقزز تعافه نفس بيبي، ولا سبيل أن يجتمع به أو يمحيان معاً من الوجود ، وإذا كان هذا قصده، فإنما يشهد بيبي لنفسه بالطيبة التي هي الطهارة والنقاء فهل هذا صحيح؟ ويثبت كل منهما على موقفه ، فالأول مستفز وأما الثاني فطيب لا يلاقي خبيثا.

 

أما الاحتمال الثالث: فالخبيث هو الشخص الماكر الداهية المتآمر الذي يظهر غير ما يبطن ، والذي يعمد إلى النيل من خصمه البريء ذي السريرة النقية والذي لا يشوب سلوكه شائبة ، فإن كان هذا مقصده فعلا فهي شهادة تزكية لعباس ، فعباس لا يعمل إلا للإيقاع بنتنياهو، واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني وأرضه من النهر إلى البحر ، وما اعترافه بوجود (إسرائيل) ، ومطالبته بحل متفق عليه لقضية اللاجئين والتنسيق الأمني وغيرها إلا أكاذيب وخدع، التي يأخذ منها نتنياهو ما يحقق أهدافه، ولا يعطي شيئا في المقابل، بل الحذر ، وهل من مزيد .

 

وقد يكون هناك احتمالات أخرى يعرفها فهمي شبانة لقربه الشديد من الزعيمين ولا نعرفها نحن ، ولكن الذي لا جدال فيه هو أن عباس سيظل مستفزا ( بكسر الفاء ) للشعب الفلسطيني، ولن يتغير رأي نتنياهو فيه حتى وإن تاب وأناب وقال : لبيك بيبي عباس بين يديك.