الولايات العربية الممزقة

نشر 23 فبراير 2010 | 08:48

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

شهد شهر فبراير سنة 1958 أول وحدة حقيقية بعد زوال الاستعمار العسكري عن معظم بلاد المشرق العربي ، وصنع الرئيس السوري شكري القوتلي مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر أول وحدة اندماجية بين القطرين ، وكان قد مر على احتلال فلسطين عشر سنوات ، ولم تمر ثلاث سنوات حتى وقع الانفصال بينهما ، عاش العربي ونحن الفلسطينيين – على ما بدا لنا – أزهى أمل، ولعب بأحلامنا شعار ( حرية – اشتراكية – وحدة ) وما أن وقع الانفصال حتى طحنت مشاعرنا عبارات التخوين ، الاستبداد ، الدكتاتورية ، الفساد ... وغرقت فرحتنا في نوم عميق ولكنها أفاقت على تحرير الجزائر التي انشدت لثورتها قلوب العرب من المحيط إلى الخليج ، وإذا بها تغرق في انقلاب داخلي ثم خصومات مع جيرانها الأشقاء .

 

ويدعو عبد الناصر زعماء العروبة لأول لقاء على مستوى القمة، فامتلأنا أملاً بدنو أجل العصابات الصهيونية ( كما كنا نسمي إسرائيل ) فما تخلف من أحد من الثلاثة عشر زعيماً من أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة والسمو ، فاجتمعوا أول عام 1964 ومن حولهم طبول الإعلام بالوحدة والتضامن والأخوة ، وما أن انفض السامر حتى صكت قلوبنا تسريبات من دهاليز المؤتمر تتحدث عن خلافات حادة مردها إلى عدم ثقة الزعيم بالزعيم . وتمضي الأيام ليأتي زعيم سوريا صلاح الدين البيطار وفيلسوفها ميشيل عفلق وإمام اليمن أحمد إلى القاهرة ليتوحدوا معاً في اتحاد ثلاثي، سرعان ما يتحول إلى ساحة معارك إعلامية، وتخوين هذا لذاك وذاك لهذا . وفجأة تندلع في اليمن ثورة تطيح بالإمام وتأتي بعبد الله السلاك ، ويغرق الجيش المصري في حرب عربية عربية تهدر فيها دماء وطاقات ، وتزهق أرواح ، في نفس الوقت الذي تعلق فيه رؤوس قيادات الحركة الإسلامية على أعواد المشانق . وتتتالى مؤتمرات القمة العربية ليحتل ( المصالحة العربية العربية ) البند الأول من جداول أعمالها بدل فلسطين ولكن بلا جدوى ، لتحل الهزيمة التي سماها عبد الناصر (النكسة ) وتضيع فلسطين كلها ، وسيناء كلها ، ويرى العالم الجندي الإسرائيلي وهو يغسل قدميه في مياه قناة السويس .. تضيع القدس والمقدسات ، وتحتل الجولان وأراض من الأردن ولبنان ، وكنا قد رأينا عبد الناصر والحسين وهما يوقعان اتفاقية الدفاع المشترك، وينصَّب علي عامر قائداً عاماً لها.

 

وبعدها بسنتين تندلع ثورة الفاتح الوحدوية ، ليشهد العالم عشرات المحاولات الوحدوية الليبية مع مصر أحيانا ، ومع تونس ، ومع السودان ، ومع مالطا ، ثم مع أفريقيا .. بلا جدوى ، ويأتي أيلول الأسود سنة 1970 فتذبح عمان الثورة الفلسطينية من الوريد إلى الوريد، وتتطاير أشلاء الجسد الفلسطيني ، لينعقد مؤتمر قمة كان الأخير في حياة عبد الناصر ، ليذهب الرجل ويأتي السادات ، لينشأ في عهده اتحاد الجمهوريات العربية من السادات والقذافي والنميري الذي احتل كرسي الحكم في السودان ، وما هي إلا أشهر حتى ينشب عراك بين ليبيا والسودان ، يرسل القذافي بموجبه برسالة إلى النميري جاء فيها سطر واحد ( أخي جعفر... سامحك الله ) ثم معارك بين القذافي والسادات وصلت بالأخير أن ينعت الأول (بمجنون ليبيا).

 

ثم يذهب السادات إلى (إسرائيل)، فتهرب الجامعة العربية إلى تونس ، فتدور ماكنة السباب والتخوين ، ثم ضرب العزلة والحصار على النظام المصري . ويذهب السادات ويأتي مبارك ، ليرفع يديه في تشابك رائع مع يدي الحسين وصدام وعلي عبد الله صالح في مظهر وحدوي سرعان ما تحول إلى عداوات وحروب ، فيقدم صدام على اجتياح الكويت ، التي كانت بداية النهاية للعراق العظيم ، الذي يقع فريسة للنيران والدماء والطائفية والأحقاد والاحتلال . وكانت اليمن قد خرجت من حرب مهلكة ما بين شماله وجنوبه ، فقطعت عرى المودة وزرعت الأحقاد، ثم لبنان وما أدراك ما خمسة عشر سنة من الحرب الأهلية التي أبادت خضراءه أو أوشكت ، والتي لم يغب عنها الفلسطيني ولا السوري ولا السعودي ، وتمزق أنياب (إسرائيل) صمود دول الطوق ، فتنفرد بها واحدة واحدة ، في كامب ديفيد، وفي وادي عربة، وفي مدريد، وفي جينيف، وفي أوسلو ، ثم يظهر العرب في صورة تضامن ورقي ، فيتفقون على السلام الكامل مع (إسرائيل) مقابل الانسحاب الكامل ، فيما سمي فيما بعد بالمبادرة العربية ، التي استخفت بها (إسرائيل) . وإن هي إلا بضع سنين حتى يتمزق الشعب الفلسطيني بعد أن طحنته أقدام أوسلو ، فيكون الانقسام دون أمل – عند الكثير – بالمصالحة لتصبح الدول العربية بين ممزقة أو توشك على التمزق، فضلا عن أن الكلمة ممزقة والفضاء ممزق والمبادئ ممزقة ، ليبقى الشيء الوحيد المحكم ، ألا وهو الحصار، فهل هناك من أمل أن يرى العرب حالهم ، ليحاولوا تبديله ؟ وإلا ، فبأي وجه سيطل عرب هذا الزمان عبر التاريخ على الأجيال المقبلة.