بقلم: د. عطا الله أبو السبح
من تابع حفل الوداع لنواب البرلمانات العربية، ومن اللحظة الأولى رأى قلوب الزوار تنبض حبا وإخاء وحسرة وألما ، كلمات صادقة عبرت عن الود والاعتزاز بغزة ولها ، ليست الجريحة المحاصرة فحسب ، ولكن غزة المرابطة المستمسكة بالحقوق ، والمضحية بفلذات كبدها ، ولهذا دلالات:
الأولى: إن هؤلاء يمثلون قطاعات عريضة من الشعوب العربية ، وجاءت مشاعرهم الصادقة معبرة عن دعمهم ومؤازرتهم للقضية الفلسطينية نيابة عن شعوبهم ، في الوقت الذي تسلل إلى عقول كثير من شعبنا شعور بأن العرب قد أداروا ظهرهم للقضية.
الثانية: أثبتت القضية الفلسطينية أنها العامل الأقوى في توحيد الأمة العربية ، طالما أن أهلها لم يفرطوا فيها ، كما أثبتت أنها العامل الأقوى في الدلالة على الارتقاء بدور المثقف العربي أو السياسي أو عضو البرلمان في ميدان العمل الذي ينسجم مع ميثاق الجامعة العربية ، وهذا – أيضا- ما يعزز الثقة بأن فلسطين لم تفقد عمقها العربي ، رغم ما يحرص بعض الإعلاميين على تأكيد ما تحرص بعض الأنظمة على تأكيده من النزوع إلى الانكفاء داخل حدودها ، والتنصل من كل شيء خارجها ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
الثالثة: لقد عبرت الكلمات عن روح عربية تتمتع بالصحة والعافية دون خوف أو وجل من تغول دعاة ( السلام ) و ( التطبيع ) مع الصهاينة ، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك وهو الرغبة في مشاركة غزة موقفها البطولي في التصدي للمشروع الصهيوني.
الرابعة: كانت الدعوة إلى المصالحة حارة وصادقة ، بما عكس نجاحا كبيرا لسياسة حماس ، التي بدت مرنة متسامحة حريصة على الوحدة ، وإعادة اللحمة للصف الفلسطيني للتصدي لذلك المشروع الصهيوني ، والحرص على إنقاذ المقدسات.
الخامسة: كان الحصار مرفوضا من قبل الجميع ، فقد وجد الضيوف كيف أضر الحصار بإنسان غزة ،واقتصادها ؛ بما يتنافى مع أبسط معاني الأخوة والتضامن العربي التي تحرص البرلمانات العربية واتحادها عليه.
السادسة: كان لزيارة الوفد لغزة وللمجلس التشريعي شهادة على شرعية المجلس ورئاسته الممثلة بالدكتور عزيز دويك والدكتور أحمد بحر ، كما أنها شكلت رفضا لكل محاولات إفشاله أو تهميشه ، وإلغاء دوره.
السابعة: كان لوجود مصر أهمية خاصة ، إذ رأى مندوبها الحال الذي عليه غزة ، ومشاعر أهلها تجاه مصر ، والمستوى المدني والحضاري والجهادي الذي بلغه أبناء غزة ، مما سيكون له أثر كبير في تعزيز المطالبة بكسر الحصار ، وإطلاق حرية الحركة ، ثم إحياء اهتمام مصر بالقضية الفلسطينية ، وفي المقابل تعزيز الحجة الداحضة لأي دعوى أو دعاية لإلباس حماس ثوب الإرهاب أو دعمه أو التعصب أو التهريب أو الخطر على الأمن القومي المصري أو ( الانقلاب).
الثامنة: اعتبر وجود ممثل لحركة فتح على المنصة الرئيسية نجاحا للوفد وللحركتين معا ؛ مما أحيا الأمل في لم الشمل الفلسطيني ، ولقد كان لكلمة النائب أشرف جمعة وما انطوت عليه من إرادة في المصالحة في دور تعزيز هذا الأمل.
التاسعة: لقد كسبت حكومة غزة موقفا عروبيا لا يستهان به ، حتى وإن تأخر كسر الحصار ، ولكنه بالقطع سيعجل بكسره ، خاصة بعد استجابتها لطلب الوفد ، فأطلقت سراح محتجزين من منتسبي فتح ، رغم ما يعرفه الكثير بأنهم أصحاب (قضايا).
العاشرة: لقد هيجت طفلات غزة مشاعر الانتماء لفلسطين : أرضا وإنسانا وهوية ، في قلوب أعضاء الوفد ، بما عبرت عن معايشة لمظلوميتها ، وتحد قوي للذاكرة العربية بما وقع لغزة من فواجع ، وتعبير صادق عن واقع الطفل الفلسطيني، ووداع (تراجيدي ) أسال دموعا حارة من قلوب أعضاء في الوفد ، قبل أن تسيل من عيونهم ، بما جسد (أخوة وتضامنا) وعزما على الحرص عليهما ، مما عزز شعور الفلسطيني بانتمائه لأمة عريقة عزيزة ، كما عزز لديه القناعة بأن ليل الظلم إلى زوال.
الحادية عشرة: حبذا لو كانت هذه الزيارة ، والزيارات اللاحقة المكثفة الموعودة قد سبقت شرايين ( جالاوي) و (غزة الحرة )، ولكن أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي قط.