الموساد جيت

نشر 20 فبراير 2010 | 08:42

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

ما جزم به محمد نزال من أن أنور شحيبر ضابط في جهاز الأمن الوقائي، وأحمد حسنين عضو سابق في جهاز المخابرات الفلسطيني؛ كانا عضوين في فريق الموساد الذي اغتال الشهيد محمود المبحوح، يطرح قضية العملاء والتنسيق الأمني بقوة على فصائل المقاومة الفلسطينية ، فلقد أصابت (إسرائيل) رجال المقاومة في مقاتل ، سواء على المستوى التنظيمي أو الفردي .

 

وقد كانت أهداف (إسرائيل) منتقاة بدقة ، سخرت لها طاقات كبيرة وإعدادا محكما ، وكان – دائما – دور العميل هو الأهم ؛ إذ هو الأعرف بالهدف من حيث : التشخيص والحركة والسكن والعمل ، وما طرأ على كل ذلك من تغييرات .

 

وقد حرص الصهاينة على إسقاط عدد أكبر من الفلسطينيين ، الذين قاموا على تزويدهم بمعلومات دقيقة عن المقاومة وكوادرها ، وأماكن تواجدهم ، وأحيانا عن خططهم وأدوارهم ، فتوفر لهم الكثير منها ، مما حقق لهم نجاحات في الوصول إليهم وتصفيتهم ، ولقد أولى رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أهمية بالغة لاغتيال قادة التنظيمات الفلسطينية أينما وجدوا ، ولعل ( جولدا مائير ) تأتي في مقدمتهم ، حيث تم – بأمرها – تصفية أكبر عدد من القيادات الفلسطينية ، سواء الفكرية أو العسكرية أو التنظيمية , وأصدرت أمرا بتشكيل فرق متخصصة ، تتبع جهاز الموساد ، الذي يتبعها مباشرة فتشكلت فرق أخذت أرقاما كودية ( 100، 101، 131) وكان بعضها تحت مسمى فرقة ( غضب الرب) ورصدت لها ميزانيات وإمكانيات تدريبية ولوجستية على مستوى عال ، استطاعت به أن تصل إلى قتل أكثر من أربعين قائداً فلسطينياً من قيادات (م. ت . ف) في سنوات ما بين( 72-91) وفي أماكن مختلفة من العالم، فيما أدرجوا في قائمة سميت قائمة (غولدا) ، ولم تقف قوانين الدول أو أجهزتها حائلا دون وصول عملاء الموساد لأهدافهم ، فلقد قتلوا تسعة قيادات في بيروت , وستة في روما ، وسبعة في باريس ، وخمسة في قبرص ، وخمسة في أثينا ، واثنتين في لندن ، وواحدة في بروكسل ، وأخرى في وارسو ، وثالثة في الجزائر ، وأربعة في تونس ، ولم تحرك العواصم ساكنا حيال الدم الفلسطيني الذي يهدر على أرضها ، ولقد كان للعامل الخياني الدور الأعظم في عمليات الموساد جميعها.

 

وكما رأى العالم المؤتمر الصحفي الذي تحدث فيه الفريق ( ضاحي خلفان ) فإن عملية اغتيال الشهيد المبحوح قد تمت وفق تخطيط مرسوم بإحكام ، قام به فريق من أحد عشر عضوا ، فضلا عن جاسوسين فلسطينيين كشف عن اسميهما محمد نزال ( والقائمة مرشحة للزيادة ) وقد توزعوا على خمس مجموعات : تولت الأولى الإدارة وتقديم الخدمات ، فحجزت الفنادق التي يحتمل أن ينزل في واحد منها محمود ، وعندما تأكدت من نزوله في فندق البستان في غرفة معينة حجزت الغرفة المجاورة له ، كما أعدت السيارات اللازمة للحركة ، ثم التغطية الدقيقة لقدوم أفراد المجموعات وخروجهم ، ولمزيد من التمويه كان أبرز أعضاء هذه المجموعة امرأة شقراء ، لتحول دون التعرض لها.

 

أما المجموعة الثانية فقد تولت مراقبة محمود ورصد تحركاته ، واتخذت أماكن استراتيجية مكشوفة ، بحيث لا يغيب عنها لحظة واحدة ( داخل الفندق ) لتعرف أين حل وأين انتقل .

 

وأما المجموعة الثالثة فقد تولت القتل ، فقد كانوا من الأشداء المحترفين ، الذين أنجزوا علمهم في زمن قياسي ، وأما المجموعة الرابعة فقد تولت ( الاتصالات ) والملاحظ أنها حرصت على ألا تستعمل أجهزة دبي ( السلكية أو اللاسلكية ) واعتمدت شفرة خاصة وإشارات متفقا عليها كيلا تترك أثرا يدل عليها. وأما الخامسة فقد تولت تأمين الانسحاب ثم مغادرة دبي ! ومن الملاحظ أن هذه المجموعات قد قامت بعملها، وما أوكل إليها بانضباط ، ونفذوا جريمتهم بكتم أنفاس الشهيد حتى تبدو الميتة طبيعية ، إلا أن الأمور سارت على غير ما خططت المجموعات ، فوقعت في خطأ جسيم ؛ إذ جهلت أن التقدم التقني الذي بلغته دبي سيؤدي بها إلى افتضاح أمرها ، فقد كان للحواسيب العالية الكفاءة القادرة على رصد حركة نزلاء الفندق وسكناتهم ، وبالصوت والصورة إضافة إلى المستوى الفني والعلمي الفائق الذي وصله رجل الأمن الإماراتي المسلح بانتماء كبير لوطنه وولاء أكبر لقيادته ، كان لكل ذلك الدور الأكبر في فضح جريمة الموساد والانتصار لدم الشهيد ، خلافا لما قامت به العواصم التي شهدت مقتل القيادات الفلسطينية، وفي هذا السياق لا ينسى دور الأردن الكبير في تسليم من ذكرهما نزال للعدالة، فإن ثبت تورطهما فلا بد من النظر إلى ذلك بخطورة ، خاصة وأن اسم محمد دحلان جاء فيه ! فهل ستأتي الأيام المقبلة بما يكشف عن المزيد من ملفات الخونة ليأتي بعد ذلك دور الحساب، الذي ينبغي أن يكون من جنس العمل وفي مستواه.