القتل على خلفية الشرف.. جريمة

نشر 18 فبراير 2010 | 09:07

بقلم: مصطفى الصواف

 

القتل هو القتل، والجريمة هي الجريمة، ما لم يكن الأمر وفق ما شرعه الله تعالى وذلك في قوله :' مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ..'

 

فأي عملية قتل للنفس البشرية خارج نطاق الشرطين اللذين حددهما الله وهما أن يكون القتل لقاتل نفس بغير نفس، أو مرتكب فساد في الأرض، وهذان الأمران مرتبطان بولي الأمر، وولي الأمر هنا هو الحاكم، لأنه ليس من المنطق أو العقل والحكمة أن يأخذ كل إنسان بيده تطبيق شرع الله، لأن في ذلك تعم الفوضى وتقع الشبهات والحرام وارتكاب الجريمة.

 

هناك من يزين عملية القتل تحت عنوان عاطفي ( القتل على خلفية شرف العائلة) وكأن القتل تحت هذا العنوان هو قتل مبرر لا يخالف الشرع، وهذا يستوجب حكماً مخففاً، وما أراه أن مرتكب هذا النوع من القتل هو قاتل مجرم تنطبق عليه جريمة القتل، وهي القتل بغير نفس التي حددها الله في شرعه، فالقاتل سواء كان أباً أو أخاً أو عماً أو ابناً هو مجرم ،وارتكابها فسق وكفر، والمقتولة هي ضحية لجريمة مرتكبة، القانون الوضعي بررها وفتح لها المجال واسعا لارتكابها حتى وإن كان على شبهة، والكثير ممن قتلن تحت هذا العنوان كن ضحايا الشك ووسوسة الشيطان والإنسان معا، وثبت بالدليل الطبي أن منهن من لازالت تحتفظ بعفتها وشرفها الذي أزهقت روحها من أجله.

 

المسلمون لديهم قانون رباني لا يأتيه الباطل، يجب أن يحكم ويسود بين الناس، يقابله القانون الوضعي الذي خطه البشر، والبشر بطبعهم مخطئون، فالقانون الوضعي يخطئ بالنتيجة؛ ولكن يمكن الأخذ بالقانون الوضعي ما لم يخالف القانون الرباني، على أن لا يكون بديلا عنه في نفس الوقت، لان القانون الوضعي فيه ما يسير أمور الناس في شأن حياتهم اليومية وهو ضرورة للإنسان في أي مكان.

 

وللنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته كيف تعامل مع الزانية والتي تقر بجريمة الزنى، وكيف تعامل مع من حملت في أحشائها سفاحا، سواء كان برضا منها أو اغتصابا تحت أي من وسائل التهديد والإكراه، ولعل قصة الغامدية من أشهر تلك القصص والوقائع التي استند إليها الشرع الإسلامي في حد الزنى، والشاهد من هذه القصة هو أن نتعلم كيف يكون الحكم، ومن يطبق هذا الحكم، ومتى يطبق الحكم.

 

الغامدية زنت مع ماعز، القصة معروفة، ماعز أقر بالزنى، والغامدية كذلك، ردهما رسول الله، ثم عادا، فكان الحد بالإقرار على ماعز، والغامدية عادت إلى رسول الله لتعترف وتقول أنا حامل نتيجة هذا الزنى، فكيف تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه نتعلم وبقانونه نحكم كنا أولياء أمور أو حكاماً، الغامدية زنت وتابت، ولكنها لم تكتف بالتوبة، وكان بوسعها أن تستر نفسها، ولكن حرارة المعصية لم تفارقها حتى أقيم عليها الحد، والحديث في صحيح مسلم:«جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، ِلم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا، فوالله إني لحبلى، قال: أما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال: مهلا يا خالد! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت».

 

هذا هو حكم الشرع في حد الزنى، ولكن متى يطبق هذا الحد من حدود الله؟ يطبق الشرع عندما تكون أركان الجريمة كاملة من اعتراف وشهود، وهنا يجب أن ندرك أن من يقوم بجريمة القتل تحت عنوان شرف العائلة، هو قاتل يجب أن يعامل معاملة القتلة دون أي مخفف للعقوبة، وتحت أي ذريعة كانت، فإن كان الزاني أو الزانية محصنة يطبق عليها حد الزنى كما طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ولي الأمر القيام بتطبيق الشرع وله الأجر على ذلك، وإذا امتنع فإنه آثم، وإن كانت الفتاة مغتصبة ومكرهة تحت التهديد وقد ثبت ذلك باليقين والدليل القطعي، فنعتقد أن لا ذنب عليها، وعلى الأهل والمجتمع أن يتعاملوا معها على أنها ضحية ويحسنوا معاملتها بعيدا عن أي مخالفات للشرع؛ لأن الدين الإسلامي دين تسامح وعفو ومغفرة وإصلاح، وإلا سنقع في المحرمات والجرائم التي إن لم نسأل عنها في الدنيا، ستمثل أمامنا في الآخرة ونحاسب عليها أشد الحساب من الله عز وجل.