لماذا تصر الجنائية الدولية على إغفال جرائم الاحتلال؟

نشر 16 فبراير 2010 | 08:50

بقلم: د. عبد الله الأشعل

 

أصبح واضحاً الآن الفارق بين موقف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية من محرقة غزة وتقرير جولدستون الذي يسهل له البدء في تحقيق فوري ضد القيادات الصهيونية، وموقفه من ضحايا الاحتلال الأمريكي الغاشم في العراق، وبين استهداف الرئيس البشير بما يمثله من تمسك بالاستقلال ووحدة السودان. ولذلك فإن اتهام المحكمة بأنها نشأت خصيصاً كأداة في يد الغرب ضد العالم الثالث لا يجافي الحقيقة الواضحة إذا أعملنا هذه المقارنة التفصيلية.

 

ففي الثالث من فبراير الجاري شعر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالانتصار بعد أن استجابت الدائرة الاستئنافية في المحكمة لطلبه الذي رفض في 4 مارس 2009 لعدم كفاية الوثائق والأدلة، وهو إضافة جريمة الإبادة الجماعية إلى مجموع الجرائم المنسوبة للرئيس السوداني عمر البشير من قبل، وهي الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب.

 

والحق أن إعادة فتح ملف البشير خاصة في هذا التوقيت تثير أسئلة هامة، أولها أن لويس أوكامبو المدعي العام بدا وكأنه في تأصيل جريمة الإبادة بعد توجيه تهمتي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يمعن في الخط الذي بدأه، وبلغ الرجل من دأبه أنه حول القضية إلى مسألة شخصية، استخدم فيها الحرب النفسية والإعلام العربي والدولي. ولم يقتنع أوكامبو بأن القضية برمتها تفتقر إلى الأسانيد القانونية الصحيحة، كما أن جمع الأدلة تم من مصادر غير محايدة ولا يعتمد عليها، ومعظمها من خصوم الحكومة في دارفور. ويلحظ الرجل أنه يلح على أمر ليس مألوفاً، حتى لو صح الاتهام، في العلاقات الدولية. كما يبدو أنه لم يقرأ جيداً الموقف الحاسم العربي والإسلامي والدولي الداعم للسودان، والباحث عن حل لمشاكله وإقرار سلامه، كما يبدو أن الرجل بحاجة إلى حس سياسي ليدرك أن السلام مقدم على العدل في أحوال التمرد الذي تدعمه جهات أخرى.

 

بل لعل أوكامبو جدد خطه القديم الذي تحداه الرئيس البشير، ولم يفسر لنفسه حتى الآن سبب سفر البشير في كل العواصم المجاورة حسب برنامجه المعتاد دون أن ينازعه أحد. وربما ظن أوكامبو أنه بهذا الحكم الجديد يجدد الاهتمام بالبشير، وربما يقصد إفشال جهود المصالحة بين الحكومة والتمرد، وربما الإضرار بالبشير في الداخل.

 

المسألة الثانية، هي أنه إذا كان المدعي العام مهموماً بجرائم نسبها إلى البشير في دارفور، ولم يقم الدليل على أن الادعاءات جدية، وأن مصادر المعلومات غير مطمئنة، فلماذا تجاهل تقرير جولدستون، وهو يعلم جيداً مدى مصداقيته، وأنه أحيل إليه ضمن توصيات التقرير، ولا حاجة للإحالة بعد ذلك من جانب مجلس الأمن أو الجمعية العامة، رغم أن التقرير أوصى أيضاً بذلك. لماذا لم يفكر أوكامبو في أن يمنح نفسه فرصة إذا افترضنا أنه يسعى حقاوراء الحقيقة لكي يقارن بين مصادر معلوماته لاتهام البشير، وبين مصداقية تقرير جولدستون، ولماذا تجاهل نص المادة (15) من نظام روما الذي أنشأ المحكمة، والذي ألزم المدعي بأن يبدأ التحقيق في الملفات التي تبدو للوهلة الأولى أنها جدية ويمكن أن تؤدي إلى فتح ملف جنائي. فهل وجد في ملفات التمرد ومواقع المنظمات الإنسانية التي طردها السودان لشبهة فيها وفي عملها ما هو جدير بالتحقيق، أكثر مما وجد فى تقرير جولدستون الذي تهتدي به الآن جميع المحاكم في العالم كله، والذي يفرض المحاكمة على جرائم تم توثيقها، وتدخل قطعاً في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

 

المسألة الثالثة، تتعلق بمدى مصداقية عمل المدعي وموقفه من الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الأمريكي ضد ضحايا العراق، ودعاواهم ودعاوى المنظمات الحقوقية الدولية، وردوده الساذجة التي لا تنزهه عما لا يليق أن يلحق به من سوء النية أو السذاجة أو السطحية في فهم طبيعة منصبه الخطير. والقارئ لتقرير المدعي العام حول جرائم العراق ومسلكه في تقصى هذه الجرائم، وتقريره الذي أضاف به أمام الجنائية الدولية جريمة الإبادة الجماعية، وتعويله التام في الاتهام على أن السودان طرد عشرا من المنظمات التي رآها مشبوهة، فحرم مئات الآلاف من اللاجئين من خدماتها، فارتكب بذلك جريمة الإبادة الجماعية، لا بد يلحظ هدا العمد والتحيز. ألا يشعر أوكامبو بالحرج عندما يقرأ تعريف هذه الجريمة في المادة الثامنة من نظام روما وأركانها وتوصيف الجريمة في تقرير جولدستون حول محرقة غزة؟

 

المسألة الرابعة، هل يعلم المدعي العام أن بريطانيا الطرف في نظام روما بدأت تحقيقات برلمانية في أحداث غزة والعراق ضد بلير رئيس وزرائها السابق، ويتوقع أن يتطور الملف، فهل هو مستعد أم أنه لا يهتم إلا بما يحيله إليه مجلس الأمن، وهو لن يحيل إلا الدول العربية والعالم الثالث، كما أن هذا الموقف يعد انتهاكاً للمادتين 13،15 من نظام روما، الذي حدد طرق الإحالة، وخص المدعي العام بسلطة تحريك الدعوى حتى من تلقاء نفسه.

 

فكيف تجرؤ هذه المحكمة على مناشدة العرب على الانضمام إليها، وهي مخصصة لإخضاعهم ومعاقبة من يتمسك فيهم بحقوق بلاده. وكيف لفئة من القانونيين محدودي الأفق أن تلقي باللائمة في موقف المحكمة على عدم انضمام العرب إليها حتى يتحكموا في سياساتها، وعليهم أن يدركوا أن هذا وهم، والأولى بالعرب أن يكشفوا بالقانون زيف هذه المحكمة.