بقلم: د. عطالله أبو السبح
كلما لاح للمصالحة بريق أطفأته كلمة مقروءة أو أخرى مسموعة, وعندما تخرج الكلمة لا تذهب أدراج الرياح, بل تستقر في الوجدان, وتفعل فعل السم في القلوب, فتقتل رغبتها – أو تكاد – في الأمل, حتى غدت العلاقة بين بارقة أمل وكلمة قاتلة علاقة جدلية, وقد يبدو أن الأمر عفوي سينتهي بمجرد التوقيع على الورقة المصرية, وتبدأ إجراءات التنفيذ على الأرض, وأقول: لعل وعسى, ولكنني أقول أيضاً: إن تبسيط الحل على هذا النحو فيه من عوامل إفشال المصالحة أكثر مما فيه من عوامل إنجاحها, ولنا في مصالحة مكة, وما أنجبته من حكومة وحدة وطنية خير مثل, فلقد بات يدرك الصغير قبل الكبير أن ذهاب السلطة إلى مصالحة مع حماس لا يمكن أن يرضي أمريكا و(إسرائيل), وبالتالي ستتوقف المساعدات الأمريكية للسلطة, كما سيزداد التغول الإسرائيلي عليها, وقد صرح أكثر من مسئول في الجانبين بذلك حتى وصل إلى درجة التهديد بتصفية محمود عباس كما جرى لسلفه, وقد أخذها محمود عباس على محمل الجد, وهو محقُّ في ذلك, لذا فقد أغلق الباب دون أي لقاء مع خالد مشعل رغم ألف نداء ونداء من خالد وألف وساطة ووساطة ممن يعنيهم الشأن الفلسطيني, وذهب عباس إلى أبعد من ذلك, فلا يترك مناسبة يتحدث فيها إلا ويشن هجوماً حادا على حماس يوشك أن يجعلها في خانة العملاء والخونة, مما يدفع حماس أن تفند أقواله وترد عليه, وتفتح موجاتها لآراء ( الشارع) الذي يُسمِع (عباس) ما لا يسره !!!
هذا أولا, أما ثانياً فإذا (نقرت) لتصل إلى المواقع الفتحاوية تقرأ عجباً, أقلها القذف والتخوين حتى ليصل إلى أن يقسم أحدهم أن (شاس أفضل من حماس) ثم يكتب كاتب ( من قتل المبحوح: الموساد أم حماس), فيتهافت على قراءته ما يزيد على الثمانية آلاف, مما يشكل منهجية في التفكير والنظرة إلى حماس بأنها قاتلة, إنها تقتل قادتها لصالح الموساد, وهي اليد التي تقتل المشروع الوطني الفلسطيني لصالح المشروع الصهيوني لأنها تتقاطع معه، ولا توازيه أو تعاكسه, ليستوجب ذلك الرد من أعلى قمة في هرم حماس إلى قارعة الطريق, والتاريخ هو المعين الذي تشهد وثائقه مع طرف أو ضده. أما ثالثاً فإن التهديد الأخير لدحلان لا يمكن أن يكون صدر عنه وهو في غفلة عن منطلقاته ومراميه وآثاره, ففي الوقت الذي تتفاعل فيه زيارة نبيل شعث, وتتدارس حماس رزمة المطالب الفتحاوية( حسب خليل الحية), وتصريحات قادة حماس بالثناء على الزيارة وإيجابياتها, يخرج دحلان بتهديده ووعيده بأنه سيحاسب حماس, بعد أن يبشر المهتمين بأن أيامها قد دنت, وما بقي لها إلا القليل, والمحاسبة التي يتوعد بها دحلان هي على ما سببت للشعب الفلسطيني من معاناة..... الأمر الذي يؤشر إلى:
1- ما حمله نبيل شعث من مطالب ألقى بها إلى سلة المهملات هذا إن وصلت معه فعلا, وما أخذت منه قبل وصوله إلى اللجنة المركزية.
2- ما صرح به دحلان لا بد منه لتهيئة الجو والمناخات لاستئناف المفاوضات المباشرة حقيقة غير المباشرة شكلا.
3- إن ما صرح به إنما هو ( أوردر) جديد للأجهزة الأمنية في الضفة لتنطلق نحو بقية شباب حماس وعوائلهم لتزج بهم في سجون السلطة, وهو ما حدث عقب تصريحه وتهديداته, وليس غريباً أن تكون متزامنة مع هجمة الاحتلال على مخيم شعفاط وعلى صور باهر.
4- إن ما يقع هو بمباركة عباس وتنفيذاً لأوامره.
5- لم يكن مؤتمر هرتسيليا غائبا عما يجري في الضفة الغربية, وما يوضع في طريق المصالحة من معوقات وعراقيل؛ هذا إذا استحضرنا أن مدارسات الأمن الإسرائيلي وتطويره ومتابعته حاضرة في كل لقاء ومؤتمر وجلسة, فهي ممتدة ولا تغيب، كما أن المقاومة حاضرة جنباً إلى جنب مع تلك المدارسات كذلك.
6- إن الحديث عن الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها حماس( حسب الأحاديث الصهيونية والفلسطينية) لا تخرج عن هذا السياق والذي يمثل حرباً على المصالحة؛ إذ تقوي الأمل في نفوس الرافضين لها في دنو أجل حماس, وتضعف الأمل في نفوس الراغبين فيها والعاملين لها.
7- إن الخروج على القانون وتكرار عمليات السرقة من بيوت معزولة ( في أطراف المخيم) أو مزارع أو حقول يجب أن يراه الشرطي في غزة من هذه الزاوية الكامنة في هذا السياق.
8- والخلاصة: هل ستنجح (زمر) الأقلام المسمومة والألسنة السامة في إفشال المصالحة؛ استجابة لتنفيذ الرغبة الصهيونية الأمريكية ومن يدور في فلكهما؟ أتمنى: ألا, ولكن العقبة كؤود.