بقلم: محمد القيق
يعيش الأسرى في سجون الاحتلال حياة مختلفة عنها في خارج السجن، إلا أن روابط عدة تربطهم بالخارج، فالأسير يختطف من بين أولاده وزوجته وعائلته، من بين أشقائه ووالده وأمه. من حيه وشارعه وقريته ومدينته.. من فلسطين موطنه، ليزج به في سجون الاحتلال حيث يصبح مزدوج المعيشة: حياة يومية في السجن، حياة عائلية وأسرية وعاطفية في القلب.
تمر عليك قصص عدة لأسرى منهم من توفي والده أو أمه أو الاثنين معاً وهو ما زال قيد الاعتقال، منهم من اعتقل يوم زفافه، ومنهم من اعتقل قبل ان تلد زوجته وبقي في سجنه وأصبح عمر ابنه عشرين أو ثلاثين عاماً والقيود تحول بينهم.. منهم من تزوج ابنه أو ابنته وجاءهم أحفاد وهم يعيشون هذه الأفراح والأتراح عبر صور تدخل بين الفينة والأخرى يمن بها السجان على الأسير.
في صباح أحد الأيام استيقظ أحد الأسرى الذي مضى على اعتقاله ستة أشهر ، رتب نفسه وأمسك بالمصحف ليبدأ بقراءة ورده الصباحي في آخر يوم له في السجن، حتى جاء إليه أحد الأسرى ممن زاره الأهل من نفس البلدة، فاخبره أن زوجته قد أنجبت توأماً، وما إن سمع الخبرالسعيد, حتى جاء مسؤول القسم ليخبره بأن الاحتلال مدد اعتقاله لستة أشهر أخرى في الحكم الإداري.. فكان الأسرى في ساحة السجن لا يعرفون هل يهنئونه بالتوأم أم يواسونه بشأن قرار تمديد اعتقاله.
وهنا أود الإشارة إلى أن الاعتقال الإداري من أسوأ ظروف الاعتقال، حيث تطفو الضبابية على ملف الأسير والسرية التامة في المواد واللاحدود في التمديد وعلاوة على ذلك لا يوجد تاريخ للإفراج إلا بمزاج المخابرات.
أخ أخر محكوم بعامين وتبقى له ثلاثة أشهر يقضيها في الأسر، جاء نبأ وفاة والده في أحد الأيام وأقمنا له بيت عزاء ووزعت القهوة والتمر - فتلك عادة في السجون في حالة الوفاة، حيث تقام بيوت الأجر لمواساة الأسير-، وبعد ثلاثة أسابيع جاء نبأ وفاة والدته فكانت تلك صفعة له قبيل الإفراج عنه، فكان ينتظر لحظة الإفراج بشوق، أما الآن فلن تلاقيه أمه ولن يراه والده.. نعم إنها تجارة مع الله سائلين المولى أن يكون لك في ميزان حسنات الأسرى.
أما أفراح الأسرى في نجاح أقربائهم في الثانوية العامة فهم يترقبون طيلة العام ويتابعون أنباءهم، ويوم النتائج تكون الأعصاب مشدودة إلى الابن بعيد الجسد، قريب الروح، ثم تمتلئ الساحة بالعصائر ةأطباق الحلوى المصنوعة في السجن بالإمكانات المتواضعة كالسحلب والبوظة وكنافة سجن من خبز السجن وغيرها تعبيراً عن الفرحة.
مناسبات سعيدة أخرى كزواج الأقرباء وتخرج الأبناء من الجامعات والمولود الجديد والحج والعمرة وحياة يعيشها الأسير فقط بالصور وعبر الزيارات.. بالفعل إنها حياة جهاد وثبات.