بقلم: ياسر الزعاترة
غضب كبير المفاوضين، وهو كثيراً ما يغضب، ولو في إطار من إتقان الدور، غضب من مذيع 'راديو' البي بي سي عندما قال له إن البحث عن مواقف جديدة للرباعية ليس جديداً، وأنه لم يؤد إلى نتيجة من قبل، وكان صاحب كتاب 'الحياة مفاوضات' يتحدث للمذيع من ألمانيا حيث كان برفقة رئيسه في جولة أوروبية لشرح المواقف الفلسطينية (هل تعاني تلك المواقف من الغموض؟).
كبير المفاوضين رد بعصبية متسائلاً عن بديل اليأس من أعضاء الرباعية، مضيفاً هل هي الشعارات؟ والشعارات تعني بالنسبة إليه تلك الوسيلة التي استخدمتها كل الشعوب الحرة من أجل التخلص من نير الاحتلال.
نشير إلى ذلك بين يدي مؤشرات على إمكانية استئناف لعبة التفاوض، سواء مباشرة بعد موافقة نتنياهو على عرض محمود عباس الجديد والمغري (تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر)، أم بطريقة غير مباشرة، بحسب مقترح جورج ميتشيل الذي جاء على خلفية رفض عباس العودة إلى الطاولة من دون وقف الاستيطان، وهو الشرط الذي ذكرنا مراراً أنه كان من بنات أفكار أوباما قبل أن يتبناه الرئيس الفلسطيني ويغدو من الصعب عليه العودة عنه، بينما رفض نتنياهو الاستجابة لمطلب وقف الاستيطان، اللهم سوى تجميد جزئي لمدة عشرة أشهر لا تشمل القدس.
الأرجح أن يطالب عباس بغطاء عربي لتوجهاته الجديدة، مع التذكير بأن مطلب القاهرة هو التفاوض المباشر وغير المشروط، وبالطبع لأن موقفا من هذا النوع، وكما هو حال مواقف كثيرة على شاكلة بناء الجدار وتشديد الحصار على القطاع، ستساهم من دون شك في تسهيل عملية التوريث التي تلقي بظلالها على سائر السياسات المصرية، لا سيما الخارجية منها.
لا نعرف في واقع الحال ما إذا كانت الترجمة الحقيقية للمباشر وغير المباشر تتعلق بلقاءات عباس- نتنياهو فقط، أم تشمل لقاءات آخرين من قادة السلطة، ومن بينهم كبير المفاوضين، أم سيصار إلى ترتيب مسار سري بعيداً عن وسائل الإعلام يتفاوض حول سائر القضايا على أمل التوصل إلى صيغة اتفاق نهائي.
في هذا السياق الأخير، من الصعب على المراقب أن يتجاهل إمكانية ترتيب مسار سري يتوصل إلى اتفاق نهائي بروحية وثيقة جنيف وملحقها الأمني، والتي يبدو أنها تحظى بقبول واسع النطاق، ليس في أوساط السياسيين الكبار في الدولة العبرية، ومن ورائهم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بل أيضاً في أوساط كبار السياسيين الأمريكيين، وفي مقدمتهم وزيرة الخارجية كلينتون وكبير موظفي البيت الأبيض (الصهيوني العريق) رام إيمانويل.
قبل ذلك ثمة مطالب تصبّ في خدمة ذات اللعبة من جهة، بينما تكرس مساراً آخر يحظى بدوره بما يشبه الإجماع في الدولة العبرية أيضاً، أعني مسار الدولة المؤقتة بحسب تعبير بيريس وباراك، أو الحل الانتقالي بعيد المدى بحسب شارون، أو السلام الاقتصادي بحسب نتنياهو.
المطالب المذكورة ستصنف بوصفها حوافز للفلسطينيين من أجل العودة إلى المفاوضات، فيما سيصنفها جماعة الحياة مفاوضات بأنها إنجازات دبلوماسية تؤكد صواب رؤيتهم، وتستحق تبعا لذلك تنظيم الاحتفالات، مثل الإفراج عن مئات من الأسرى الذين لا يشكلون أي خطر على أمن الدولة العبرية (سيكون جزء لا بأس به منهم من المعتقلين الجنائيين).
إلى جانب إطلاق الأسرى ستكون الخطوات الأخرى جزءاً لا يتجزأ من مشروع الدولة المؤقتة أو السلام الاقتصادي، وهي تفكيك بعض الحواجز لتسهيل حركة الفلسطينيين بين المدن والقرى، تحويل بعض مناطق (ج) إلى (ب) بحسب تصنيفات أوسلو، و(ب) إلى (أ)، أي تسريع عجلة إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاع انتفاضة الأقصى نهاية أيلول من العام 2000.
نحن إذن أمام المسارين المشار إليهما، ولا مكان لمسار ثالث غير انتفاضة جديدة بقيادة أخرى (القيادة الحالية تؤكد دائماً على رفضها العودة للعنف)، ومن يعتقد أن نتنياهو سيمنح القوم أفضل مما عرضه عليهم باراك في قمة كامب ديفيد واهم من دون شك، فهل سيقبل الفلسطينيون بذلك؟ الإجابة هي كلا حتى لو سكتوا لبعض الوقت بسبب معطيات عربية ودولية سيئة، فضلاً عن مراهنة القيادة على مسار دايتون بلير، وبالطبع تبعا لما يوفره من أمن وأمان ومزايا للأهل والخلان.