مصطفى الصواف
القرآن الكريم، كتاب منزل من رب العالمين، وكونه من عند الله، فهو صالح في كل زمان ومكان، وما ورد فيه من أحكام وتشريعات وقصص وعبر وحكم وحوادث هي صالحة لأن تكون حاضرة في كل زمان ما دام هناك خلق لله من البشر تحكمهم نوازع مختلفة، وتتنازعهم الأهواء والنفوس والمصالح المختلفة ويتصارعون على الدنيا وبريقها.
الصراع بين الخير والشر سيبقى قائماً، وكذلك الصراع بين الحق والباطل سيبقى قائماً، ولكن في نهاية هذا الصراع، المنتصر هو الحق كما انتصر هذا الحق في كل ما ورد في القرآن الكريم من صراعات على مختلف الأزمان، لأن ما صلح به أول الزمان يصلح به آخره.
وفي نفس الوقت قانون موسى وفرعون يتكرر في كل مرحلة من مراحل عمر البشرية، وهو قانون نعيشه نحن في فلسطين هذه الأيام، ففراعنة العصر كثر، وقانون فرعون ( لا أريكم إلا ما أرى) ، ( وأنا ربكم الأعلى) قائم ، وسياسة فرعون التي بينها القرآن الكريم ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) باقية، وهي سياسة العلو والكبرياء واستضعاف الناس وقتلهم والفساد.
ونحن في فلسطين من حولنا فراعنة كثر، منهم من ينتمي لديننا وعروبتنا، ومنهم من لا دين له، ومنهم من يدعي اليهودية أو المسيحية كإسرائيل وأمريكا، والجميع متفق على سياسة واحدة وهي محاربة الموحدين الداعين إلى الله المنتصرين لشريعته، فهذا الحصار المفروض والذي يشدد هذه الأيام هو جزء من سياسة فرعونية قائمة على مر العصور، وهذا العدوان والقتل والتدمير هو أيضا سياسة فرعونية، وهذا الضغط من أجل الإذلال والتركيع هو أيضا جزء من سياسة فرعونية وهذا التحالف بين كل فراعنة هذا الزمان هو نفسه المتمثل في دعوة فرعون لجمع السحرة لمواجهة موسى عليه السلام، ظناً منه أن ما يحمله موسى سحر، ويرفض أن يؤمن به وبما معه من بينات، فجمع السحرة، كما يجمع الفراعنة في زماننا سحرتهم ليرهبوا غزة ويخيفوها حتى تؤمن بما يؤمنون، ولتذل غزة كما هم أذلاء ، حتى يتساوى الجميع في الذل، ولكن موسى انتصر لأنه يحمل الحق ويدافع عنه.
والنصر ينتظر غزة، وأهل غزة؛ طالما تمسكوا بالحق، ودعوا للحق، وقاتلوا من اجل الحق، وهؤلاء الفراعنة سيلاقون حتفهم ، كما لقي فرعون حتفه، وسيعرفون الحق ولكن بعد فوات الأوان، كما قال الله تعالى(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وعلى أرجح الأقوال إن مومياء رمسيس هي جثة فرعون الذي تحدثت عنه الآية في قول الله تعالى (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ).
هذه نهاية كل فرعون ونهاية كل طاغية في هذا الكون، والحق الذي حمله موسى، والحق الذي تحمله غزة سينصره الله نصرا عزيزا، حاصروا ما شئتم أن تحاصروا سيكسره الله، وابنوا الجدر ما شئتم أن تبنوها فسيدمرها الله وستكون عليكم وبال، وذبحوا ما شئتم أن تذبحوا من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، فلن يكون إلا قانون الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )، ويقول الله تعالى ( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ )، فيا أهل غزة، ويا أهل فلسطين، ويا أهل الحق أينما كنتم، لا تهنوا ولا تحزنوا، فأنتم المنتصرون كما انتصر موسى، وهم منهزمون كما انهزم فرعون.