قريباً.. شركـات أمنية

نشر 28 يناير 2010 | 08:32

محمد سـلامة

المتابع للشـأن الفلسطيني يرى أن السـاحة الداخلية تتجه نحو الأسوأ في أول فصل من فصول المناكفات السياسية التي أعقبت انتهـاء ولاية المجلس التشريعي زمنيا، وهذا نابع من حالة الانقسام الحاصلة، فالواضح من خلال زيارة جورج ميتشل المبعوث الأمريكي الخاص بالشرق الأوسط كما تناقلته وسائل الإعلام سعي الإدارة الأمريكية لاستئناف المفـاوضات والتسوية في المنطقة، ولكن العكس فالمهمة التي جاء بها ميتشل للمنطقة كانت : ماذا بعد المدة الزمنية لولاية المجلس التشريعي وتعرية حمـاس من الثوب الديمقراطي التي لبسته ولم يعجب العالم تشكيلته ؟

حتى الآن لنحسن الظن بالمفـاوض الفلسطيني في رام الله، فالمعلومات تشير إلى تصميم الأخير على موقفه أن لا عودة للمفـاوضات قبل وقف الاستيطان كاملا، لأن أي موقف غير ذلك سيكون في غير صالح الطرف الفلسطيني على الأصعدة كافة .

وهنا يتسأل البعض : ما الذي يملكه المفـاوض الفلسطيني من الأوراق ما يجعله حتى اللحظة مستنكفا عن الانخراط في العملية السياسية التي أسسها ؟ هل يراهن على القاعدة الجماهيرية في الضفة التي تآكلت بفعل ضربات الاحتلال وملاحقة المواطنين وزجهم في غياهب السجون ؟ أم على المقـاومة التي شاركت العدو في قمعها واغتيال نشطائها ؟

الإجـابة كما أعتقد أن سلطة رام الله بحـاجة إلى الاحتلال أكثر من حاجة الاحتلال لها، إذا أن سلطة أوسلو اختارت نهجا يستحيل التخلي عنه والتوبة منه إلا إذا طهُرت وعـادت إلى حضن شعبها ومقـاومته المشرفة، وهذا أمر يكلفهم سحب بطاقات vip والامتيازات الخاصة وقطع الرواتب، ومداهمة بيوتهم وزجهم في السجون, وأستبعد أن يكون هذا الفريق يفكر بهذه العقلية، لأنهم قوم انغمسوا في براثن الدنيا وملذاتها, فيصعب عليهم ترك نهج تمثل بالمفـاوضات و(التنسيق الأمني والعمـالة والفوضى وعدم المحـاسبة)، فهؤلاء لا يهمهم لا قضية ولا مقدسات ولا شعب، وبالطبع هذا يدعو الاحتلال إلى التمسك بهم .

أما كيف سيخرج هذا الفريق من الأزمة التي ورّط نفسه فيها بدون قصد ليخرج منها ببعض ماء الوجه أمام شعبه، فأعتقد أن السلطة تتجه نحو خيـار حلها في الضفة دون الرحيل عنها حتى تثبت لشعبها أنها لم ولن ترضخ لكل الإبتزازات والضغوط التي مورست عليها، وقتها ربما تحظى بعقول بعض المغفلين الذين سيصدقون فعلها ويلتفون حولها، مطالبينها بالبقـاء وتأمين حياتهم مهما كلف ذلك من ثمن، والسير نحو مفاوضات المهم أنها تجلب في نهـاية العمر راتب تقاعد .

ربما يعارضني الكثير في هذا التوجه ويقول لي بأنك تناقض نفسك، كيف سيوافق الاحتلال على حل السلطة وهو المستفيد الأكبر منها، ولن يصبر على ملئ الفراغ وسيعمد إلى أحد رجالات السلطة الثقات (لديه) إدارة السلطة في الضفة خلفا لعباس .

أقول : لا، لأن هذه المرة لن يكون لعباس لا خلف ولا ظهر، بما أن السيناريو الذي مُثل بعد الراحل أبو عمـار أصبح معروفا ومن السذاجة تكراره، بل أرى أن الضفة المحتلة مصيرها مصير ما حدث في العراق المحتل من إدارة شركات أمنية للوضع فيها، كشركة بلاك ووتر، ولكن بأسمـاء مختلفة – (لأن ما عنا ووتر حتى يكون عنا نفط) ؟

هذه الشركات بدأت تظهر على أرض الواقع في الضفة تحت غطاء أمني يشرف عليها الجنرال الأمريكي كيث دايتون، وما المعلومات التي أفصحت عنها صحيفة الجارديان البريطانية قبل أسابيع ببعيدة، حيث كشفت أن أجهزة أمنية فلسطينية لديها صلات وثيقة بوكالة الاستخبارات الأمريكية وتتعاون معها بشكل إشراف أمني تدير عمليات التنسيق وهذه تتم بعلم رجالات السلطة الكبار .

إضافة إلى هذا سيتوسع عمل الإشراف الأمني إلى شركات تدير حيـاة الناس تقدم الخدمات لهم بالواسطة والعمـالة وبأجور زهيدة لا تكلف الكثير، فقط معلومات توصلها لنا عن مقاتلي حماس وقادتها السياسيين حتى يتم اعتقالهم من خلال أفرع شركاتنا المنتشرة في مدن الضفة المحتلة، ولا أستغرب أن تمتد هذه الأيدي على رئيس المجلس التشريعي والنواب وخطفهم بل وقتلهم لا سمح الله !
هنا سيصبح الأمر معقد جدا لدرجة أن المواطن والمتابع للمشهد الفلسطيني سيرفع صوته بقوه وينادي : عودوا إلى زمن الانقسام خير من الحـال الذي نعيشه، كفى لهذه المهزلة، فلنوحد صفوفنا حتى يرحمنا الله .. ومن هذه الشعارات التي لا تُبنى إلا على عواطف النسـاء والمصالح الذاتية .
في المقابل سيزيد الضغط على حركة حماس في قطـاع غزة المعقل الوحيد الحر في العـالم فوق الضغط الذي بدأت ظواهره تطفوا على السطح من إغلاق للأنفاق وإحكام السيطرة على الحدود ونفـاذ الوقود والغاز وانقطاع تام للكهرباء، وما تم تخزينه من قبل الأنفاق من سلع ومواد غذائية ومستلزمات سيصاب بجنون الأسعـار، خاصة إن حركة حمـاس أصبحت الآن في نظر العـالم غير شرعية بانتهاء مدتها الديمقراطية في المجلس التشريعي وهذا ما سيدعو إليه عباس في جولته الحالية في الدول العربية والغربية .

هذه هي المأساة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني جراء تناقض هذين المشروعين في ظل سياسة إحتلالية لا ترحم أو تنتظر التوافق الوطني، فالجميع يدرك أن حركة فتح ومن يدعمها من أنظمة عربية مطـابقة تتبنى جميع الأساليب الخسيسة لزرع الفتنه بين أبناء الشعب الفلسطيني وإضعاف قرارهم، حتى تُمرر المشاريع التصفويه التي يعمل العدو الصهيوني على تنفيذها، لأجل ذلك لا نستغرب أي مخطط قادم مهما كان وصفه وشدته .

صحيح أن توقعاتي ورأي لا يبشر بخير، وآمل أن لا يكون ذلك، لكن الوقائع التي نتابعها توضح أن المرحلة القـادمة هي أصعب بكثير من التي سبقت تستوجب منا الاستعداد جيدا لها بالصبر والثقة بأن الله لن يخذل أنصـاره، وفي المقـابل عقارب السـاعة تقترب من حدث هو خير لشعبنا وأمتنا ولكنكم قوم تستعجلون، قل متى هو : قل عسى أن يكون قريبا، أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد .