ماذا يفعل العرب بعد اعتراف أوباما نفسه؟

نشر 26 يناير 2010 | 09:08

بقلم: د. عبد الله الأشعل

 

هل كانت مفاجأة لأحد أنَّ تحمُّسَ أوباما لتسوية عادلة في فلسطين كان ضرباً من حسن النية في أحسن الفروض، أو مزيداً من الخداع للعرب الذين يريدون أن يخدعوا. ويبدو أن شعور العرب بأنهم خدعوا ليس قائماً، بل على العكس، فقد رأيت تصريحات لمسؤولين عرب من الشباب يتعاطفون مع أوباما، ويرون أنه ضحية لبيئة معقدة، ولكن مساعدة أوباما عند هؤلاء المسؤولين كانت تعني أن يعترف العرب بـ'إسرائيل'، حتى نسقط ذريعة نتنياهو، وحتى يكون ذلك سلاحاً في يد أوباما نعطيه له حتى يقوى على المواجهة مع 'إسرائيل'. موقف هؤلاء المسؤولين يكشف عن أحد أمرين، إما أنه إفراط في حسن النية بعيداً عن أي حسابات سياسية، أو أنهم يخدعون أنفسهم وغيرهم، ويغفلون عن طبيعة 'إسرائيل' ومشروعها في المنطقة.

 

والذين يعرفون طبيعة المشروع الصهيوني ومسيرته يفهمون لماذا يتصرف نتنياهو، مثل سابقيه، على هذا النحو. كما أن الذين يدركون معادلات العلاقة بين 'إسرائيل' والولايات المتحدة، وموازين القوى داخل الولايات المتحدة، يعرفون بالضرورة أن أوباما إما أن يكون ساذجاً، أو أنه فوجئ بحجم اللوبي الصهيوني الذي يحجب كل المصالح الأمريكية، أو أنه كان يخدع العالم بكل هذه المعاني الراقية، التي صورت لنا واشنطن وكأنها نبع الخير الذي شوهته عصابة الأشرار. وكان رأيي، ولا يزال، أن أوباما البعيد عن دوائر السياسة الخارجية، والذي عاش مع مثاليات قانونية، ووظائف الكونجرس العادية غير السياسية، دفعه الأمل المتوثب في صدره إلى تحقيق معجزة، وهي السلام في فلسطين دون إغضاب 'إسرائيل'. وهذه المعجزة في ذاتها بلهاء؛ لأن الأصل هو أن 'إسرائيل' تخلق الفرص المواتية للمزيد من الهيمنة علي المنطقة، حتي يتمدد مشروعها الصهيوني؛ لأن كل مسؤول صهيوني يصل إلى الحكم يسابق الزمن في تسجيل اسمه في لائحة الشرف الصهيوني، فكلما ضم مزيداً من الأراضي، وأذل العالم العربي وقهره وخدعه، ودفعه إلى معركته، وصرفه عن 'حماقاته' وهي المطالبة بحقوق فلسطينية، وأراق المزيد من دماء العرب والمسلمين والفلسطينيين، لمع اسمه في هذا السجل.

 

ويبقى سؤالان: السؤال الأول إذا كان أوباما قد جرب المواجهة مع 'إسرائيل' واستسلم مع أول صدام بشكل مهين، فهو أول رئيس أمريكي يقر بفشله في تحقيق حلمه، وهو اعتذار كاف للعرب والمسلمين؛ لأن الأمواج أقوى من قدراته. إذا كان كذلك فهل كسبت 'إسرائيل' نهائياً الساحة، وسخرت القوة الأمريكية لصالحها حتى تواصل عبثها في المنطقة؟ وإذا كان أوباما عاجزاً عن قهر 'إسرائيل' على سلام يناسب المصلحة الأمريكية كما يقول، فلماذا لا يتوقف عن مساندة البطش الإسرائيلي بالعرب، ولماذا لا يردع خططها المستمرة لإشعال المنطقة، بحيث أجهدت المنطقة على أمل أن يترك الناس منطقتهم، حتى تنفرد بها أسراب الجراد الصهيوني، وتعلو فيها أصوات البوم والغربان؟

 

أما السؤال الثاني الملح فهو ما دور العرب في دفع أوباما إلى هذا المأزق؟ وهل تصور العرب أن أوباما سيحارب خطط 'إسرائيل' وجموحها نيابة عنهم وهم قاعدون، أم أنهم بقعودهم تركوا الرجل وحده. ولكن ماذا كان الرجل يطلب من العرب لمساعدتهم؟ لقد كان يطلب منهم المزيد، وإلقاء الورقة الأخيرة وهي الاعتراف، دون أن تقدم 'إسرائيل' حتى مجرد النية في التجاوب مع سلام حقيقي.

 

الحقيقة أن جوهر المشكلة ليس في 'إسرائيل' أو واشنطن، ولكن المشكلة تكمن في العرب الذين استراحوا إلى أنهم طرحوا مبادرة، وأنهم بذلك أدوا واجبهم، وليس العيب في تعنت 'إسرائيل' وعجز الولايات المتحدة، وأن العرب والفلسطينيين كليهما ضحية هذا الزمان الغادر. وقد يتساءل البعض إزاء هذا المنطق، وماذا عسى العرب أن يفعلوا إزاء هذا الموقف؟ أظن أن الإجابة تتطلب التأكيد على بديهيات، أولها هل العرب يريدون حقاً مساندة القضية الفلسطينية؟ وثانيها هل يفهم العرب بشكل موحد المطلوب مساندته في جوانب هذه القضية، التي انساحت وكادت أن تصفى تماماً، إذا اعتبرنا أن التصفية تعني تحول القضية من صراع عربي إسرائيلي إلى صراع مرير بين أطراف فلسطينية، يغذيه عجز عربي، وجهد إسرائيلي حثيث لتمزيق الصف الفلسطيني، آخر جدار في بناء هذه القضية.

 

والحق أن العرب تركوا الساحة الفلسطينية نهباً لـ'إسرائيل'، فانقسم الفلسطينيون، وتمزقت لحمتهم، وأصبحوا شيعاً متنابذة، وهان الدم الفلسطيني بعد أن عصمت 'إسرائيل' بقوتها الدم الصهيوني. وتقاعس العرب لأسباب مختلفة عن المصالحة الجادة الفلسطينية، واستخدام أوراق القوة ضد 'إسرائيل' والولايات المتحدة، حيث قدرت واشنطن و'إسرائيل' عدم جدية العرب، فلا يعقل أن يطارد المجرمون الإسرائيليون في لندن رغم أنف الحكومة البريطانية. بينما يلقى نفس المجرمين كل الترحاب في بعض العواصم العربية، فهل يعرف العرب أية أوراق يملكون، وهل يعرف العرب كيف يلعبون بهذه الأوراق الحاسمة التي تغير خريطة التحالفات الدولية؟ إن الذي يعاني منه العرب هو إعدام إرادة القرار التي رهنوها عند أعدائهم، وأرادوا أن يحسنوا الظن بهم، فتضيع الأوطان.