مستقبل الإخوان المسلمين وأولويات المرحلة

نشر 24 يناير 2010 | 09:06

بقلم: د. عصام العريان

 

كثر الحديث عن مستقبل الإخوان المسلمين في مصر عقب الانتخابات الأخيرة لمكتب الإرشاد، وسال مداد كثير وتحليلات تتسم بالسطحية والانطباعية دارت حول عدة تنبؤات، كما تساءل الكثير من الإخوان ومحبيهم والمتعاطفين معهم عن أولويات المرحلة الحالية، وهل سينسحب الإخوان من العمل السياسي، ويركزون على النشاط الدعوي والتربوي كما يقول البعض بغير علم ولا خبرة؟ خاصة في ظل مرور البلاد بفترة من أخطر فترات تاريخها السياسي.

 

.. أهم تلك التوقعات التي قرأتها مع غيري هي:

 

1. الانكفاء على الذات والاهتمام بالبعد التربوي والدعوي.

 

2. الابتعاد عن النشاط السياسي والإقلال منه.

 

3. عدم التعاون مع القوى السياسية والحركات المجتمعية والانعزال.

 

4. اللجوء إلى العنف.

 

5. الانشقاقات والانقسامات والتمرد الشبابي.

 

ولنبدأ بأكثر تلك التوقعات بعدا عن الواقع والحقيقة.

 

الإخوان والعنف:

كان من المستغرب جدا من المهندس أبو العلا ماضي أن يقول إنه من المتوقع أن يلجأ الإخوان بقيادتهم الجديدة إلى العنف، وهو يعلم علم اليقين عدة حقائق لا أظن أنها تغيب عنه، وقد عاش مع الإخوان 20 سنة قبل أن يستقيل ويترك الجماعة، ويؤسس لمشروع جديد (حزب الوسط) الذي لم ير النور حتى اللحظة، رغم كل التنازلات والتغييرات والتطمينات:

 

أولا: أن منهج الإخوان أصلا لا يعتمد العنف في التغيير، وأن حوادث العنف القليلة كانت طارئة على مسيرة الإخوان، وأدانها البنا ورفضها الهضيبي، وقال يوسف طلعت آخر مسؤول عن الجهاز الخاص أثناء المواجهة مع عبد الناصر عام 1954، إنه لا يتحمل مسؤولية الدماء أمام الله، فلم تحدث مواجهات عنيفة رغم ما حدث من إجرام ضد الإخوان.

 

ثانيا: أن الإخوان الذين يهاجمهم ويتهمهم بالاستيلاء على القرار لا يؤمنون بالعنف إطلاقا، وهو نفسه يتهمهم بأنهم يركزون على التربية والدعوة والعمل المجتمعي، ويزهدون في العمل والنشاط السياسي؛ لعدم اقتناعهم به، فكيف تجتمع المتناقضات في آنٍ واحد.

 

وليس من الإنصاف ولا الموضوعية أن يرتب على المقدمة السابقة نتيجة غير منطقية على الإطلاق وهي أنه ليس أمامهم إلا العنف، وهو يدرك أيضا أن الإخوان كل الإخوان لا يركزون على قضية الاستيلاء على السلطة، لا بأي طريقة، ولا في أسرع وقت، ولكنهم يريدون تغيير النفوس، وإرشاد المجتمع، وعدم التعجل في المشاركة في الحكم أو الوصول إليه، ولذلك يترددون في مسألة الحزب السياسي، الذي يعني بالضرورة وضع أولويات السلطة في أعلى سلم الأولويات، بمعنى إعداد البرامج المناسبة، وتدريب الكفاءات والكوادر القادرة على إدارة الدولة، والدخول في تنافس جاد، والسعي إلى إزالة العوائق التي تمنع تداول السلطة بطريقة حقيقية، كالعصيان المدني مثلا، والذي دعا إليه البعض، واتهموا الإخوان بعدم المشاركة في عمل جدي من أجله، وكم شهدت من حوارات مع مخلصين مقتنعين بالفكرة من ليبراليين إلى يساريين إلى ناصريين، وكان الجميع يريد من الإخوان أن يتحركوا دون بيان ماذا سيكون بعد الحركة؟ وما هو مستقبل البلاد؟ وكيف نجنب مصر مغبة الوقوع في الفراغ أو الفوضى.. إلخ؟ .

 

ثالثا: أن الرموز الذين يهاجمهم بضراوة أبو العلا وغير،ه ويكيلون لهم الاتهامات؛ منها مثلا أنهم تلامذة مخلصون لأفكار الشهيد سيد قطب، وينسى أن الشهيد هو الذي منع استمرار تنظيم 1965 في جمع السلاح، ومنع أي استخدام للمسدس الوحيد، والخناجر الهزيلة التي تم ضبطها آنذاك، وأمر بالتركيز على التثقيف والتوسع الدعوي والتربية، وفهم الظروف المحلية والإقليمية والدولية آنذاك، وعمل بمقتضاها، وأن شهادات الإخوان في مذكراتهم التي صدرت قد كررت ذلك، وأن شهادة الأستاذ الشهيد سيد قطب أوضحت ذلك، وأن هؤلاء ليسوا ممن حملوا السلاح قديما. ولو كان الشهيد حيا الآن أو شهد المتغيرات التي وقعت لكان له رأى جديد في العمل والنشاط السياسي.

 

ما كان لي أن أتوقف طويلا عند تلك النقطة إلا لأن البعض يعتبر الحديث بهذه الطريقة تحريضا مباشرا ضد الإخوان، أو تشويها متعمدا لمنهجهم لا يليق من المهندس أبو العلا، الذي لا بد أنه مازال يحتفظ ببعض الذكريات الطيبة لكثير من الإخوان، ولا أظن بحال من الأحوال انه ينزلق كغيره في التحريض السافر أو المستتر ضدهم.

 

الانقسامات والانشقاقات والتمرد الشبابي:

كان من التوقعات التي لم تبن على دليل حقيقي هو حدوث انشقاق ضخم، وتمرد شبابي، وحدوث مظاهرات أمام مكتب الإرشاد .

 

الذين توقعوا ذلك بنوا تنبؤهم على مقدمة خاطئة كذلك، وهى وجود تيارين إصلاحي ومحافظ، وصراع أجيال داخل الإخوان، وأن هناك قمعا للشباب يدفعهم إلى التمرد والاحتجاج.

 

وهذه المقدمة غير حقيقية، هناك اختلاف في وجهات النظر، والأزمة الأخيرة كانت في جوهرها الاختلاف حول الإجراءات المتعلقة بالانتخابات، والتفسيرات المتعددة لنصوص اللائحة.

 

ونسى هؤلاء أيضا أن تاريخ الإخوان يحفل بالعديد من الأزمات الأشد والأخطر، وأن تلك الأزمات لم تؤد إلى انشقاق كبير مثلما حدث مثلا في حرب الوفد أو في الحركة اليسارية أو حتى مؤخرا في التيار الناصري، بل كل من خرج عن الإخوان إما أنه ذاب في المجتمع، أو مارس نشاطا إسلاميا فرديا متميزا، أو فشل في إقامة كيان آخر قوي ينافس الإخوان. ولا يجوز بحال القياس على أزمة 1954 التي حدثت فيها أحداث خطيرة، كالاستيلاء على المركز العام لفترة قصيرة، أو التهجم على بيت المرشد لإجباره على الاستقالة؛ لأن المشاكل مختلفة، والسبب في الأزمة هو إصرار المرشد على عدم التجديد في سابقة غير معهودة في مصر بل والعالم العربي كله.

 

بل ينسى هؤلاء أن أخطر تلك الانقسامات هو ما حدث عام 1954 في مكتب الإرشاد ضد المرشد الثاني المرحوم المستشار الهضيبي الأب، بل داخل الهيئة التأسيسية آنذاك، بسبب تدخل عبد الناصر وادعائه أن المشكلة هي في قيادة الإخوان 'الهضيبي' وليس مع الجسد الإخواني (الجماعة) ولا فكر الإخوان ومنهجهم، وكانت النتيجة ما يعرفه الجميع، إلا أن هؤلاء المراهنين على الانقسامات والانشقاقات ينسون أو يتغافلون عن حقيقة تاريخية وهي أن الرموز التي قادت التمرد عادت إلى الصف الإخواني بدرجة أو بأخرى، وتصالحوا مع المرشد قبيل وفاته وعادوا إلى حضن الإخوان، وإن لم يتبوؤوا فيها مواقع تنظيمية كالشيخ الغزالي، والسيد سيد سابق، والأستاذ صالح عشماوي رحمهم الله جميعا .

 

الابتعاد عن النشاط السياسي والزهد في الانتخابات البرلمانية:

وهذا التوقع يتباعد أيضا عن الحقائق الثابتة، ولعله رغبة من البعض أو إيحاء من البعض الآخر أو رسالة ممن يهمهم الأمر، ويهندسون لمستقبل البلاد في السنتين القادمتين اللتين تعدان من أخطر السنين التي تمر على مصر.

 

فقد كانت نتيجة الانتخابات عودة (12) من أعضاء المكتب السابق ودخول (4) من الجدد وخروج (5) من القديم. وغالبية المكتب الآن لهم نشاط واضح في المجال العام كأعضاء بمجلس الشعب، أو نقابيين سابقين، أو أساتذة جامعات، وحبذا لو قام أحد الباحثين بتحليل موضوعي لتشكيلة المكتب حتى لا يتناول البعض الأمر بغير علم ولا بينة.

 

بمعنى أن الأغلبية التي كانت تقرر خلال السنوات السابقة الست التي قاد فيها المرشد العام الأستاذ عاكف مسيرة الإخوان باقية كما هي، وأن النشاط الواسع الذي حدث منذ عام 2004م وبدأ بإعلان مبادرة الإخوان للإصلاح الشامل، وتصاعد مع 2005م بدخول الإخوان إلى مجلس الشعب، وتشكيل 20% من أعضائه، وخروج الإخوان لدعم استقلال القضاء في مصر، وضد التعديلات الدستورية... إلخ، هذا النشاط الواقع تم بموافقة هؤلاء جميعا أو أغلبيتهم، وهناك ثلاثة من الجدد كانوا في قلب النشاط العام، وكانوا رؤساء أقسام هامة مثل: القسم السياسي، وقسم الطلاب، وقسم نشر الدعوة، أي أنهم كانوا يقدمون رؤية للنشاط العام، ودعما فنيا لكل التنظيمات الإخوانية والتشكيلات المنتشرة في مصر.

 

إذن النشاط السياسي كرؤية وقرار مستقر منذ بداية نشأة الإخوان، وفي صلب منهجهم الذي يعتمد الرؤية الشاملة للإسلام كنظام حياة، وللإمام المؤسس في ذلك كلام واضح ومحدد لا يحتاج إلى تفسير.

 

ويعتقد البعض أن الأفكار التي جاءت في كتابات الشهيد سيد قطب، بعدم جدوى طرح حلول وبرامج جزئية، وأنه يجب التركيز فقط على البعد العقائدي، والتربية المتواصلة للطليعة المؤمنة، هي المسيطرة الآن على أفكار الإخوان أو غالبية قياداتهم، وهذا وهم آخر؛ لأن الإخوان جميعا يضعون الشهيد البطل في موقعه، ولا يقدسون أفكار أي بشر، وهم يفهمون كل ما جاء عن الشهيد في إطار واضح وهو: أنه أحد قيادات الإخوان، وليس القيادة الوحيدة، وأن ما ورد عنه يجب أن يفهم في ضوء المبادئ المستقرة للإخوان، والدليل على ذلك ما كتبه الإخوان في رسالة 'دعاة لا قضاة' لوضع النقاط فوق الحروف حول المصطلحات التي وردت في كتابات الشهيد كالحاكمية والجاهلية والكفر والإيمان، وضبطها في ضوء منهج أهل السنة والجماعة الذي تعتمده الجماعة منذ نشأتها.

 

وينسى هؤلاء أيضا أن ممارسات الإخوان طوال العقود الثلاثة الماضية تجاوزت كل ما يمكن فهمه من تلك الأفكار الواردة في بعض كتابات الشهيد، أو يفهمها البعض على غير وجهها، ولا شك أن الشهيد البطل لو طال به عمر لراجع ما كتبه في ضوء المتغيرات الحادثة، كما فعل مع الطبعة الأولى للظلال في طبعتها المتداولة الآن.

 

ويتعلق بذلك الأمر العلاقة مع القوى السياسية والحزبية والحركات المجتمعية؛ لأن ذلك الأمر يتوقف على إرادة الطرفين، والإخوان يمدون أيديهم إلى الجميع وفق ضوابط موضوعية معروفة، وبسبب تدخل النظام في تلك العلاقة التي توطدت على مدار ربع القرن الماضي، وتخويفه للأطراف الأخرى، فترت تلك العلاقة، والإخوان لا يفرضون أنفسهم على أحد، أو يتسببون لهم بضرر.

 

الاهتمام بالبعد التربوي والدعوي:

وهذا من الجهل بالإخوان ومنهجهم؛ لأن جميع الإخوان متفقون على أن منهجهم في التغيير يقوم على الأسس التالية المنبثقة من الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية11)

• إصلاح النفوس: نفوس الإخوان وبيوتهم وعائلاتهم.

• إرشاد المجتمع: بنشر دعوة الخير فيه، وتشجيع الفضائل، ومحاربة المنكرات.

 

• تحرير الأوطان من الهيمنة الأجنبية: الثقافية والروحية والعسكرية والسياسية.

• إصلاح الحكومات حتى تقوم بواجبها.

• وتأتي بعد ذلك تبعات خطيرة، كإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، أو أستاذية العالم، لا يقوى الإخوان عليها منفردين، بل لا بد من تضافر الأمة كلها للقيام بها.

 

وغالبية الإخوان يجب عليهم القيام بهذه الواجبات، سواء بصورة فردية أو في إطار خطط الجماعة، إصلاح النفس وإرشاد المجتمع يمكن أن يكون فرديا أو جماعيا، أما تحرير الأوطان، وإصلاح الحكومات، فلا يمكن أن يتم إلا بالجهد الجماعي، وقد أعلن الإخوان في مبادرتهم للإصلاح أن ذلك لابد من دعم شعبي واسع وجاد، وتوفير بيئة إقليمية ودولية مواتية.

 

طال بنا الحديث عن توقعات المراقبين والمحللين، ولم نتكلم عن أجندة النشاط ومستقبل الإخوان، وأولويات المرحلة، أعد قراءة المقال من جديد، لعلك تعثر على تلك الأجندة بين ثنايا الكلام، وإلا احتجنا إلى مقال جديد.