الخطاب المسجديّ

نشر 24 يناير 2010 | 09:01

بقلم:  مصطفى الصواف

( لكل مقام مقال)، حكمة قالها السلف، فصلحت لكل زمان ومكان، فالناس على درجات من الفهم والعلم، وهذا الاختلاف مدعاة بأن يكون الخطاب الموجه إليهم مختلف ليس في مضمونه أو أهدافه؛ ولكن مختلف بمفرداته وكلماته ووسيلته.

 

فالناس مقامات، والله تعالى يقول في محكم التنزيل' وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ '، فمنهم العامي، ومنهم نصف المثقف، ومنهم العالم، فهم على مستويات مختلفة في الفهم، من هذا المنطلق المقال يجب أن يختلف، والمقال هنا الخطاب الذي به يتم التخاطب مع هذه المقامات أو الدرجات، وعلى حامل المقال أن يراعي هذه القضية وهذا الاختلاف.

 

والخطاب المسجدي على أهميته يجب أن يفرق فيه الخطباء بين ثلاثة مستويات من الخطاب، وهذه المستويات الثلاث تندرج تحت خطاب العامة، وخطاب الخاصة ، وخطاب خاصة الخاصة، وما يصلح للمستوى الثالث لا يصلح للمستويين الأول والثاني، وما يصلح للثاني لا يصلح للأول، وما يصلح للأول يصلح للجميع.

 

هذا الحديث جاء بعد أن صليت الجمعة في مسجد قريب من بيتي، وكان الخطيب ربما من أروع من استمعت إليهم، وكان خطابه زاخراً بالعبر والكلمات والحكم والشعر والسجع والبيان، فصيح اللسان، ولكن لم يكن مناسباً في هذا المقام، لأن كلمات الشيخ الفاضل كانت تندرج تحت المستوى الثالث من الجمهور، وجمهور الجمعة هو من المستوى الأول، قد يكون البعض من المصلين فهم مضامين الخطاب، والهدف من الخطبة، والحكمة من الحديث؛ ولكن هذا البعض ليس كل الجمهور المستمع في هذا اللقاء الأسبوعي المهم الذي يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد.

 

خطاب شيخي الفاضل يصلح أن يكون خطاب خاصة الخاصة، أما العامة فهم بحاجة إلى مستوى من الخطاب يمكن أن يفهموه، ويصل إلى مسامعهم، ويطرق جدران قلوبهم، ويفعل ببعضهم أفاعيله المراد أن يفعلها، لا أن يستمع إلى خطبة عصماء ذات بيان عالٍ بحاجة إلى من يترجمه للناس، هذا الخطاب العالي المستوى، عصي على فهم العامة.

 

من هنا من الضروري على الخطباء الأجلاء الكرام قادة الأمة وناشري الوعي فيها أن يدركوا أنهم يحملون رسالة، هذه الرسالة موجهة إلى عامة الجمهور، وعامة الجمهور بحاجة إلى خطاب سهل في الفهم، لأن هذا الجمهور لو لم يفهم الرسالة يكون المرسل فشل في تحقيق هدف التأثير، لذلك على الإخوة الخطاء أن يفرقوا في مقالهم بين المقامات المختلفة، فما يصلح لمقام لا يصلح لبقية المقامات، لأننا نريد أن تصل الرسالة إلى كل المستمعين؛ ولكن لا يعني هذا أن يكون الخطاب مبتذلا أو ركيكا أو مليئاً بالأخطاء، ليس هذا هو المقصود، فلغتنا العربية مليئة وغنية بالمفردات التي تصل بسهولة إلى العقول وتحمل مضامين الرسالة لتصل إلى الجميع، هذه المضامين يجب أن تتوافق مع فهم العامة، أما الخاصة وخاصة الخاصة فهم سيفهمون مستوى العامة.

 

خطبة الجمعة من الأهمية بمكان، بل ربما من أهم أدوات الاتصال بالجمهور، وكذلك الدروس الدينية اليومية أو الأسبوعية ، أو تلك التي تتم بين الصلوات، لأن علماء الاتصال قالوا إن أنجع وسيلة اتصال هي الاتصال الشخصي رغم هذا التطور الهائل في تكنولوجيا الإعلام والاتصال، لذلك يجب أن نراعي أن يكون المقال ( الخطاب) يتناسب مع المقام، والمسجد هو مقام العامة، ومقاله مقال العامة الذي يفهمه الإنسان العادي الذي لم يتلق الكثير من العلم ، والإنسان المتعلم علوماً متنوعة، والعلماء والأدباء والمتخصصون.

 

وخطبة الجمعة في مكوناتها ومفرداتها يجب أن تراعي هذه الفروق، فما يصلح لرجال الصوفية المتبحرون في علومها ولغاتها ومفرداتها، أو ما يصلح للفقهاء والعلماء، لا يصلح للعامة من مزارعين أو عمال أو أنصاف متعلمين، لأن خطيب الجمعة يحمل رسالة ويهدف إلى أن تصل هذه الرسالة إلى كل المستمعين؛ لذلك عليه أن يراعي في خطابه إلى أي جمهور هو موجه، حتى ينتقي الكلمات والعبارات والطريقة المناسبة.