بقلم: د. عطالله أبو السبح
صدم عقلي وقلبي ما طلبه بعض نواب الحزب الوطني المصري بتوجيه ضربة إلى غزة!! فإن مجرد التفكير في هذا الاتجاه يستدعي العجب كل العجب, إذ لا يتصور أن نائبا عن الشعب المصري يطالب حكومته وجيشه ( وهما من هذا الشعب) بشن الحرب على غزة ! فلا يقبل من مصر أبدا ذلك وهي التي طالما دعمت حركات التحرر في الأمة العربية وآسيا وإفريقيا، يصل الأمر ببعض نوابها إلى المطالبة بالحرب على غزة, حتى وإن سلم هذا الشعب (للسان) يخطئ غزة في موقف سياسي أو أمن قومي أو اقتصادي , يجب أن تسكت هذه الأصوات. فإن توجيه الجيش المصري هذه الوجهة جريمة كبرى, لا يمكن أن يقبلها حر أو غيور من مصر, ولن ترضي سوى (إسرائيل) وعملائها من حيث لا يريد هذا الجيش الذي ما كان إلا نصيرا للقضايا الكبرى التي تهم الأمن القومي المصري ( حقيقة) في المقام الأول , ثم قضايا الأمة العربية إذا ما تعرضت إلى غزو صليبي أو يهودي, هذه مهمة الجيش المصري, لا الهجوم على غزة ؛ فإن غزة لا ولن تمثل خطرا على مصر, عجيب هذا النهج, وعجيب ذلك التوجه ! إن الجيش المصري يجب أن يظل متصديا للهكسوس, وليست غزة موطنهم , ولا هاجم أهل غزة مصر.. وأن يظل متصديا للتتار, وليخرج إليهم ليلاقيهم في عين جالوت, ليوقع بهم شر هزيمة, وليست غزة موطن التتار وليس إسماعيل هنية هو جنكيز خان أو هولاكو ولا تيمور لنك ! ويجب أن يظل جيش مصر في حالة ( انتباه) منتظرا أمر صلاح الدين ( هيا إلى القدس) وليست غزة هي جيوش الفرنجة الصليبيين, بل هي الذراع اليمنى لجيش أعد لتحرير المقدسات إن لم يكن رأس حربته. مصيبة كبيرة أن تصدر هذه المطالبات(!) فليس هذا صوت مصر, وليس هذا تفكيرها, فصوتها ( الله أكبر) رددتها حناجر أبطال العبور , وهم يدكون حصون (بارليف) وصوتها ( أنا مش خرع زي مستر إيدن) صرخة التحدي في وجوه الطغاة, وصوتها ( حنحارب ) من فوق منبر الأزهر , ولم يكن كل ذلك ضد غزة , بل ضد (إسرائيل)؛ عدو أمس واليوم والغد , وليس هذا هو نهج مصر , فنهجها هو نهج أحمد عبد العزيز وعبد المنعم رياض وأحمد إسماعيل علي , الذين وجهوا سهامهم إلى صدر عدو حقيقي لم يكن–بالتأكيد- هو صدر غزة . مصيبة ما قرأت من تحريش وتحريض على غزة في مقالات تنشرها بعض الصحف المصرية, فغزة التي سال دمها سنة 1967,1956,1948لا يمكن أن تكون هدفا لسهام مصرية لأن دم مصر سال على أرضها أيضا.
إن استشهاد الجندي أحمد شعبان رحمه الله آلم غزة جداً؛ فشكلت لجنة تحقيق, وتمنت أن تكون مشتركة للوصول إلى الحقيقة وتقديم المجرم إلى العدالة , فهل يستدعي ذلك أن يقتل الجيش المصري آلافا من أهل غزة أخذا بثأره إذا ما استجاب لنداء هؤلاء النواب؟! هل هذا معقول؟
سمعت من ينادي بالقبض على قادة حماس, حتى يسلموا قتلة الجندي , وكأنهم يعلمونهم ويتسترون عليهم , بل وأصدروا إليهم أوامرهم بالقتل, هذا قبل أن يسمع لقادة حماس مقال! أمعقول هذا؟ وما الفرق –عندئذٍ- بين تفكير نائب عن الشعب المصري وبين تفكير لا مسئول؟ أليس العقل يقضي بالموازنة بين المصالح والمفاسد, وتغليب المصالح التي تؤدي بالتأكيد إلى درء المفاسد؟ هل سنرى شارة النصر يرفعها جندي مصري على أنقاض مدرسة الفاخورة في غزة التي أحدثها الرصاص الإسرائيلي المصبوب؟ أهذا معقول؟! هل سيرى العالم العلم المصري مرفوعا على المجلس التشريعي في غزة الذي دمرته الطائرات الإسرائيلية ؟ هل سيرى عيونا فلسطينية فقأتها النيران المصرية إلى جانب عيون لؤي, وسيقانا مبتورة إلى جانب سيقان جميلة؟ .... ! يا نواب مصر لم ينتخبكم شعبكم الحر الأبي لهذا, بل لتحرير فلسطين من اليهود, لا من مقاومتهم.