بقلم: د. عطالله أبو السبح
بعض الإعلاميين المصريين و بعض الصحافيين يتحدثون عن غزة وكأنها قوة نووية غاشمة توشك أن تضرب القاهرة فتضيفها إلى ناجازاكي و هيروشيما ، فالأمن القومي مهدد ، والأرض المصرية مستباحة ، و الدولة المصرية في خطر ، و الشعب المصري لا يشعر بالأمن ... فأين هذا على الخريطة ؟؟ ومن يرضى بهذا ؟ وللأسف فإن بعض الكبار يشاركون في ذلك لإحداث حالة من الرفض لغزة ؛ رفضهم للشر المحدق بمصر منها ، و يذهب البعض إلى لهجة أخف حدة فيصور غزة مصدراً للمخدرات والإرهاب ، و يستشهد بحادثة شرم الشيخ ! ولا ينسى المتحدثون أن يستعرضوا ما قدمت مصر للقضية الفلسطينية طيلة 62سنة !! و في خطوة ( جديدة ) يـقحمُ الدين في السياسة ، فيصدر الأزهر فتواه ، و يطلب من الخطباء في عشرات الآلاف من المساجد أن يؤكدوا على صحة الفتوى ، وضرورة بناء الجدار ، ثم إشعال العواطف السلبية تجاه الفلسطيني الذي أصابت رصاصته (الغادرة) قلب جندي مصري ، ووصل الأمر إلى درجة افتراض أن طفلا مصريا يشتري علبة ( ما ) مصدرها غزة فتنفجر بين يديه في ميدان التحرير !! ثم : لماذا لا يجعلون من حدود الأردن و لبنان و سوريا 'سداح مداح' كما حدودنا ؟ و تحذر بعض الأصوات من حرب تشنها أمريكا أو (إسرائيل) على مصر إذا لم تبنِ الجدار ؛ لأنه سيثبت لهما أن مصر متورطة في تهريب السلاح لغزة ، ودعم الارهاب !!وأقول : إن ذلك كله يسيء لمصر لما يلي :
1- شاءت مصر أم أبت لابد أن تدعم قضايا التحرر العربي ، التي لم يبق منها إلا القضية الفلسطينية ، و بقاء فلسطين فريسة بين يدي الوحش الصهيوني هو أكبر خطر يتهدد الأمن القومي المصري ، و الشق الأخير مجمَع عليه حتى بين أولئك الإعلاميين و الصحفيين .
2- لا يتصور عاقل بأن غزة مصدر تهريب للمخدرات ، و المتصوَّر غير ذلك ، وبالبحث الأمني فإن (إسرائيل) هي التي تعمل ليل نهار على إغراق الشارع المصري و الفلسطيني بها ، و هذا ما تفصح عنه ملفات أجهزة الأمن منذ أن كان هذا الكيان .
3- إن الحرب الشرسة التي شنتها (إسرائيل) على غزة لم تنقطع ، و ها هي تهدد بأخرى و هو ما يسيء إلى أمن مصر ، وإلى دورها كأكبر دولة في المنطقة ، و هو ما يحتم عليها رد العدوان بالوقوف إلى جانب المظلوم حسب القانون الدولي ، فضلا عن ميثاق الجامعة العربية .
4- نشر ثقافة الكراهية و العداء تجاه غزة بين المصريين يجابـَه بثقافة أخرى مغايرة و بين المصريين كذلك ؛ مما يحدث شرخا عميقا في الشارع المصري ، وهذا هو الخطر الحقيقي على الأمن القومي المصري .
5- إن إسرائيل عدو استراتيجي في الماضي و الحاضر و المستقبل و هو ما يصرح به و يؤكده الدكتور مصطفى الفقي ، مما يوقع في ازدواجية الخطاب و يعكس حالة من البلبلة و يطعن في صدقية أصحاب هذا النهج ، و هذا يسيء للموقف المصري الرسمي .
6- إن ( حالة ) غزة تستدعي الدعم ، و هذا ما نراه يتنامى في العالم ؛ مما يسيء لصورة مصر و يحرجها إذا اتخذت موقفا مغايرا ، و هذا ما بدا واضحا في مؤتمر بيروت ، و هو ما شعر به المشاركون من المصريين في المؤتمر مثل الأستاذ حمدي قنديل والشاعر أمين الديب و هو ما حذر منه المفكر الكبير محمد سليم العوا .
7- لا يمكن أن يـُـقبل من مصر أن تغلق كل حدودها أمام غزة كما تفعل (إسرائيل) ، فقدرها أنها الوحيدة المجاورة لغزة ، فإن أغلقت الأنفاق فلتفتح المعبر على الدوام ، لا لشهر (متقطع ) كل عام .
8- إن تأمين المعبر ضرورة للمصالحة العربية و المصالحة الفلسطينية و هو ما تتبناه مصر و تضطلع به ، وإلا فكيف تتم المصالحة بين الحرية والقيد؟ !
9- وأخيراً إن مصر التي ضحت طويلا و تضحي مما جعلها رائدة العمل الكفاحي العربي لا يـُـقبل منها ولا يجوز أن تتخلى عن هذا الدور .
فبالله عليكم لا تسيئوا لمصر