بقلم: د. عبد الله الأشعل
تخطط 'إسرائيل' للقضاء على المقاومة في غزة حتى تبدأ مرحلة جديدة يتاح لها فيها أن تفرض تسوية نهائية حسب رؤيتها في فلسطين، وحتى لا يجد رئيس السلطة مشكلة تمثلها حماس وتمنعه من الإقدام على هذه الخطوة، سواء كان رئيس السلطة هو أبو مازن أو غيره. وقد اتهمت إسرائيل مصر بأنها تحبط هذه الخطة؛ لأن كل احتىاجات غزة تمر من رفح، فاضطرت مصر، حتى لا تحتك بإسرائيل أن تغلق المعبر كي لا تفسد المخطط الإسرائيلي. فابتدع الغزاويون فتح الأنفاق التي تحقق أهداف الجميع إلا إسرائيل. فالأنفاق مصدر للدخل لحكومة غزة، ومصدر للعمل لأبناء غزة المحاصرين العاطلين، كما أنها مصدر للثراء من جانب بعض المستثمرين في مخاطرة الأنفاق.
ولما كانت الأنفاق تمر عبر الأراضي المصرية دون إذن من السلطات المصرية وتستخدم في تزويد غزة بكل ما تحتاجه، فإن الأنفاق قد تستخدم في غير ذلك، وهذا أمر وارد في مثل هذه الظروف، ولكن المعول علىه هو أن السلطات المصرية تعتبر الأنفاق عدواناً على سلامتها الإقليمية، ويتم فيها التهريب بعيداً عن رقابة هذه السلطات، وقد تستخدم أيضاً في تهريب الأشخاص والأسلحة وهذا أمر وارد أيضاً. ولذلك فإن الأنفاق وتزايدها مع تزايد الإغلاق والحصار، ومع وضوح فوائدها عند عدد من الأطراف، قد أثارت مخاوف إسرائيل من أن تستخدم في تهريب السلاح بما يدعم المقاومة، ويجعل اقتحام غزة مرة أخرى صعباً ومكلفاً من حيث الخسائر المادية والبشرية، حتى يتسنى لإسرائيل السيطرة مرة أخرى على غزة، وبذلك تفرض سيطرتها على الضفة التي تقوم بتهويدها مع القدس، ثم تمنع المقاومة في غزة، ويحكمها رئيس السلطة، فيسهل بعد ذلك إزالة عقبتين في سبيل المشروع الصهيوني، العقبة الأولى هي إزاحة المعارضة السياسية للسلطة، والشعبية للتسوية، والعسكرية للاحتلال، والقضاء على جزء مستقل من الأراضي الفلسطينية، وخارج على إرادة صاحب قرار الاستسلام للمشروع الصهيوني. العقبة الثانية هي أن تكون مصر هي الجار المباشر على طول الحدود بحيث يختفي اسم فلسطين تماماً، فيسهل على إسرائيل إعادة سيناء إلى حوزتها، وربما تفكر إسرائيل في تخفيف الكثافة السكانية الفلسطينية في غزة، وتستعين في ذلك بسيناء، وإسرائيل واثقة أن مصر الحالية لن تمانع في حلول سياسية تخفف التوتر في مثل هذه الحالة، بحيث يكون موقف مصر المتعاون مع إسرائيل هو ثمن القضاء على خصم سياسي وهو حماس المتواصل مع الإخوان، وهم عدو مشترك للسلطة المصرية ولإسرائيل. والخلاصة هو أن استعادة رئيس السلطة السيطرة على غزة أمل فتح في إنهاء المنافسة السياسية من حماس، وأمل إسرائيل في إنهاء المقاومة، وأمل مصر في التخلص من 'إمارة إسلامية' تهدد بأن يتسع الحكم الإسلامي فيشمل مصر العلمانية في نظر السلطة المصرية.
ويبدو أن إغلاق مصر للمعبر حتى في وجه المتطوعين الأجانب لإنقاذ غزة لم يشف غليل إسرائيل فاتفقت مع الولايات المتحدة للضغط على مصر حتى تغلق الأنفاق، ولم يكفها أن مصر أطلقت يد إسرائيل في ضرب الأنفاق في الأراضي المصرية، فتزايد اللوم والضغط الأمريكي والإسرائيلي على مصر، وربما ذكرا مصر بمغبة استمرار التهريب والتنفيس عن أهل غزة، مما أفشل مخطط الخنق والإبادة، حتى لو دفع المواطن المعدم في غزة كل نفقات جلب السلع عبر الأنفاق بكل مخاطرها ونفقاتها الإضافية، ومن المحقق أن إسرائيل أثارت مع مصر أن تمكينها للغزاويين من أراضيها هو انتهاك لمعاهدة السلام، وأن إسرائيل لا تصدق أن مصر عاجزة عن إغلاق الأنفاق، وإذا كانت عاجزة حقاً فيتصور أن مصر خيرت بين أمرين: الخيار الأول هو السماح لإسرائيل باحتلال منطقة الحدود بالكامل بعمق عدة كيلو مترات في الأراضي المصرية؛ لملاقاة الأنفاق وإغلاقها، واعتقال المارين بها وخطفهم ومحاكمتهم وسجنهم ضمن الأسرى المصريين في سجون إسرائيل، أما الخيار الثاني الذي قبلته مصر وهو مخطط فني جاهز تتولى مصر تنفيذه، ولا تتحمل في نفقاته شيئاً؛ لأن تكاليفه سوف يتم خصمها من المعونة الأمريكية، ويتم ذلك سراً، وفي نطاق تعاون مصر مع إسرائيل وواشنطن لضبط الحدود، للقضاء على المقاومة، وإذا أمكن لإبادة شعب غزة عقاباً له على بقائه تحت سلطة حماس، وانتخابه حماس ممثلاً في المجلس التشريعي. وهكذا أصبح الجدار الذي تجمع المصادر الأمريكية والأوروبية على أنه مشروع أمريكي تخطيطاً وتمويلاً وإشرافاً، وبتنفيذ مصري، هو الخيار المقبول مصرياً، حتى تخف الضغوط عليها، وترد الاتهامات لها بأنها تساعد على إجهاض مخطط القضاء على المقاومة في غزة. فخيار الجدار يبدو وكأنه أنقذ مصر من منح إسرائيل رخصة احتلال أجزاء من سيناء، وهذا هو التفسير الوحيد المقبول لإصرار السلطة في مصر على أن الجدار من أسرار الدولة، وأنه من أعمال الأمن القومي، ومن أعمال السيادة، وينفذ على أرض مصرية. فهو فعلاً ينفذ على أرض مصرية، وهو فعلاً يقضي على الأنفاق والتهريب، وهو فعلاً أمن قومي؛ لأنه يجنب غزة الاحتلال الإسرائيلي، ويجنب الجيش الاحتكاك بإسرائيل في سيناء، وهو يدفع عن مصر الاتهام بأنها تنتهك اتفاقية السلام، وأنها تهزم أهداف إسرائيل في غزة. ولكن الجدار مع إغلاق المعبر مشاركة من ناحية أخرى في مخطط إسرائيل، وجريمة ضد الإنسانية، ولكنه في تقدير السلطة يجنبها الاحتكاك بإسرائيل، وانتقام الولايات المتحدة، ولا يهم بعد ذلك أن تنفذ مصر ما رفضته في البداية، وهو اتفاق ليفني وكونداليزا حول ضبط الحدود دون مشاركة مصر أو مشاورتها.
فكيف يمكن التوفيق بين واجب مصر في إنقاذ الشعب في غزة، وتفادي ضغوط واشنطن وإسرائيل من ناحية أخرى.
إذا كان البناء يستغرق عاماً ونصف العام، وأكدت كافة المصادر أنه مشروع أمريكي خالص، فلا أظن أن السرية والارتباك لهما ما يبررهما الآن، ويجب على مصر أن تواجه الأمر بشجاعة، إما أن تعلن أنها تتعاون مع إسرائيل لإنجاح مخططها وتفادي الضغوط المختلفة عليها، أو أن تسترد إرادتها إذا كان لها رأي آخر، وتصارح الشعب المصري بقرارها حتى يساندها فيه. وفي كل الأحوال يجب أن أحذر من أن الابتزاز الصهيوني لا نهاية له، ولتدرك السلطة في مصر أن بناء الجدار هو بداية مشروع الاستيلاء على سيناء ما دامت الحكومة قد تقاعست حتى الآن في تعمير سيناء، حتى يسهل على إسرائيل تنفيذ هذا المشروع.