بقلم: تامر الشريف
ها هي الأيام قد مرت سريعا، وانطوت الأحداث كلمح البصر ....وما أشبه اليوم بالأمس ...
، جاءت الذكرى الأولى لاستشهاد المربي الشهيد النائب سعيد صيام، بعد أسابيع من بداية الحرب الشاملة على غزة برا وبحرا وجوا.
لم يختبئ أبا مصعب كما أشيع.. لم يهرب ... لم ينزل الأرض خوفا.. لم يتمارض... لم يصعد الأبراج أملا.. لم يعتذر.... لم يدخل السفارة احتماء.. لم يتنكر .... لم يتراجع... لم يدخل رفح أو يصل شواطئ الإسماعيلية.... لم يساوم .. لم ينافق.. لم يجبن ..لم يدّعي..... لم يغلق هاتفه.. لم يتخذ مرافقا إلا ابنه...لم ينزل في بيت غريب ..أو يتحصن في بيت جار ...كان كما هو..ظل كما هو ..كما كان دوما ..رجل المرحلة..كثيرا ما ردد .. وكم رجل يعد بألف رجل... وكم رجل يمر بلا عداد...فكان خير الرجال بلا منازع في زمن كثر فيه أشباه الرجال وأنصافهم.
في اللحظة الأولى لضرب غزة تمترس في بيته وأصر أن يواصل عمله ويتحمل مسئوليته الوطنية... كان يردد :' وأي وقت أفضل من هذا الوقت لنحفظ امن الناس ونقوم على حاجاتهم.. كان يدرك أن حجم المسئولية تحتم عليه أن يشارك جنوده المعركة ولو برسالة يخطها إلى الدفاع المدني يثني عليهم ويدعوهم للصبر ومساعدة المواطنين..
كان يغبط الشهداء.ويتحرق شوقا لهم.. كان يعرف أن الموعد معهم قد اقترب، أرسل الى ابنه مصعب طالبا منه أن يأتيه بسلاح كلاشنكوف.. وعندما تأخر عن تقديم واجب العزاء لزوجة اللواء توفيق جبر أرسل لها،ولكني أعدك أن ألحق به..وذيّل برسالة أرسلها لرئيس الوزراء هنية قبل استشهاده بأيام..متمنيا فيها أن ينال الشهادة ويلحق بالشهداء.
كان الإعلان عن استشهاد أبي مصعب بمثابة زلزال ضرب فلسطين.. الصدمة من رحيل الدكتور نزار ريان في الأيام الأولى من الحرب لم تزل حاضرة .. الناس غير مهيئين لاستيعاب أي خبر يفيد برحيل قائد بحجم سعيد صيام.. شراسة العدوان واستشهاد المئات كاف .. ولا مجال لمزيد من الوجع والألم.
في ذلك اليوم .. كانت طائرات الاستطلاع تحلق فوق المنطقة التي يتواجد فيها معالي الوزير... عشرات منها في دائرة واحدة... فجأة ..ودون سابق إنذار... بعد صلاة العصر..الساعة الثالثة وأربعين دقيقة..قطع صاروخان الصمت الذي خيم على حي اليرموك.. ثوان .. وأصبح بيت يقطنه مستأجر من آل صيام أثرا بعد عين... لم يفهم أحد ما الذي يجري.. من يسكن المنزل؟.. من المستهدف؟ لم وكيف؟ أسئلة وأجوبة وأحاديث كثيرة... صافرات وصراخ وأشلاء ودماء.. كاميرات وصحافة وسيارات بث ...ولا أحد يدري ما الخبر...عج المكان بالآلاف...أتوا من كل حدب وصوب.. غبار الصاروخ الذي أطاح بالبيت لم ينجل بعد... المحبون يذرفون الدموع خوفا ..والعارفون صامتون..حيرى ..لا يجيبون ..ولا يدرون ماذا يقولون ... وهل يجرؤون؟
كانت الأنباء تتواتر وتحمل الكثير من الغموض.. والفوضى ..قيل يومها ..أن المستهدف هو الأستاذ سعيد صيام.. لم يصدق الناس الخبر ..تمنوا أن يكون نبأ استهدافه إشاعة ضمن ما كان يبث من إشاعات وأخبار لا رصيد لها من الواقع.... بقيت وسائل الإعلام مرتبكة بين التأكيد والنفي.. وروايات كثيرة.....حتى نعت حركة حماس شهيدها..وكتبت فضائية الأقصى ...عاجل: استشهاد وزير الداخلية الفلسطيني وعدد من أفراد أسرته في قصف لمنزل في حي اليرموك..أصبح الخبر يقينا ..لم يعد هناك مجال للتأويل...والأماني.. وتحول الدعاء من أمنية أن يكون الخبر كاذبا ... .إلى أن دعوة بالقبول واللحاق به.
أذرفت الدموع.. ساد الصمت..تاهت العقول لحظات ..وتفطرت القلوب وجعا... أخرست أصوات المنافقين والمشككين.... غادرت الطائرات أجواء غزة.. عادت الآليات إلى مهجعها..والطائرات إلى مربضها.. وبدأ الحديث بقوة وجرأة عن وقف إطلاق النار..دم صيام أوقف سعار يهود..فلتتوقف الحرب إذن.. حديث أغضب المنافقين الذين استعدوا للمرحلة الجديدة..لم يرق لهم وقف لإطلاق النار وحكومة هنية ما زالت تدير شؤون الناس... وما زالت فرحتهم باغتيال أبي مصعب في ذروتها.
غادر الأسد عرينه مبتسما..واثقا ..مطمئنا على جنده وأبنائه ولسان حاله ...رحلت مطمئنا وسيكمل المشوار من بعدي ..أبنائي.
غادر السعيد صائما..قارئا لكتاب الله ... وآخر ما كان ينطق به.. ' من المؤمنين رجال صدقوا ...كانت يمناه التي وجدوا جزء منها ممسكة بكتاب الله ..صفحات لم تحترق.. ستشهد له أمام ربه يوم القيامة.
نال الصوّام أمنيته..وكم كان يحلم بها..كان يتمنى أن يلحق بالركب ليطمئن على صدق انتمائه لدعوته.. كان يرى في بذل الروح أقل ما يمكن دفعه لإثبات الولاء لدين صنعه وجعل منه قائدا ورجلا.... كان يشعر أن قطار الشهادة قد يتجاوزه .. كان يخشى الموت على الفراش..كان يبكي متلهفا للقاء الأحبة .. كان صواما قواما خاشعا متبتلا ... تسبقه عبراته .. وفي أحلك لحظات الحرب وأكثرها حرجا.. كان يدرك أنها ساعات لا ترد فيها دعوة ..وأي دعوة أعظم من أن يشرّفه الله بالشهادة..
كان الشامتون يرقصون على الدماء .. وكانت الآيات تتلى ' وإذا مروا بهم يتغامزون' .. لم يعلموا أنها ميتة الأبطال وأمنية الأحرار ... لم يعلموا أن الدماء الطاهرة صك القبول ... وأن لحظة ارتقاء الروح في طاعة... وعبادة... ورباط خير من دنياهم الفانية..قد يعلمون ذلك متأخرا.. وقد يدركون يومها أنه قد فاز فوزا عظيما .. وأنهم هم الخاسرون..ويا ليت قومي يعلمون.