عليّ الطلاق

نشر 15 يناير 2010 | 11:40

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

من المضحك المبكي أن كثيراً من الرجال إذا أرادوا أن يعبروا عن إصرارهم على أمر فإنهم يقسمون بهذه العبارة، حتى صبيان الحي وهم يتلاعبون بالكرة فإنهم يحلفون بها عند وقوع خطأ أو إحراز هدف مشكوك فيه، لتصبح عادة لا يتركها، فإذا شب عن الطوق أصبح يرددها (عمّال على بطال) كما يقولون!!!

 

'تسمعها في الأسواق، وفي السيارة، وتسمعها في الأندية وفي المدارس، حتى في المستشفيات، وتخرج من أفواه أصحابها هم في عداد المثقفين، يقولها الرجل الرجل بصوت جهوري عند التنازع على من يغدي الضيف، فيحسم بها الأمر لصالحه، إذ يوقن من حوله أنه جاد، ولو حلف بالله لما كان – في نظرهم- جاداً، وقد يسكت الجميع بعد هذا القسم والحسم شفقة على الرجل أو زوجته أو أولادهما؛ اعتقاداً منهم أنه إن لم يرسُ عليه الغداء فقد وقع الطلاق.

 

وقد لا يسكتون، فينبري ثان وثالث ورابع بأغلظ الطلاقات التي قد تصل إلى المائة (علي الطلاق بالثلاثة، بالأربعة،...بالمائة)، و(تحوس الزوجة وتلوص) ويملأ صدرها الرعب: هل هي مطلقة أم معلقة؟ لا يكاد يهدأ لها قلب أو خاطر!!!

 

هذا القسم (الحاسم) قد يقصد منه قطع رحم، أو الحيلولة دون وصله (علي الطلاق لن تزوري أمك أو أباك) أو (لن تشاركي في فرح أخيك) أو (لن تذهبي إلى بيت عزاء عمك أو خالك) مخاطباً زوجته التي تقف لا حول لها ولا قوة، وحذراً من وقوع الطلاق فينهدم بيتها ويتشتت أولادها تقعد ولا تذهب، فتقع القطيعة وتتعقد الوسيلة ويحل الخصام، ويعشش غراب البين بباب الدار، ولو كان اليمين بالله – في اعتقادهم- لهان الخطب! ولعل أغرب ما سمعت أن امرأة تخاطب زوجها (عليّ الطلاق بالثلاثة ما أنا مصافحة أختك ولن أظل في البيت إذا جاءت) فوقف وقد تسمرت أقدامه، ولم يملك إلا أن اتصل بأخته ألا تأتي حتى لا يقع عليه الطلاق!!! وكل هذا أمر هين، إذ يفتى به أنه مجرد يمين، وقد يترتب عليه كفارة، وليس بطلاق، إذ أن  الطلاق هنا لم تتوفر لصيغته الشروط التي بها يقع والتي يجدها أي باحث في أي باب من أبواب الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق في فقهنا الرائع)، أقول: كل ما ورد هو هين أمام أن يتنطع الزوج فيحلف (عمال على بطال أيضاً قائلاً: 'أنت طالق بالثلاثة' إذا ذهبت، أو جلست، أو...، أنت طالق بالثلاثة إن نمت أو تكلمت أو أكلت أو...، وهنا يصطدم بالفتوى؛ إن الطلاق هنا واقع لا محالة إن كان ينوي الطلاق فعلا لا مجرد التهديد، وقد يسأل شيخاً وثانياً وثالثاً طمعاً في أن يفتيه أحدهم بأن طلاقه ليس بطلاق، وقد يجد من يفتيه بذلك؛ بدعوى أنه طلاق معلق على شرط دون أن يسأله عن نيته في ذلك!!

 

وقد يأخذ في البحث عن مخرج له يبطل طلاقه (أكنت غضبان؟) فيجيب: نعم.. إذن فطلاقك باطل! دون أن يفهمه بأن الغضب الذي لا يقع به طلاق هو ما أدى إلى تسكير العقل تماماً فلا يميز بين الثمرة والجمرة... ولعله يعود إلى ذلك مرة ومرة ورابعة...، تكون زوجته قد وقع طلاقها البتة وهو لا يزال عائماً في فتاوى المفتين، والتي يمكن أن يعتادها بعد ذلك، فيقيس عليها ويقنع نفسه بأن الطلاق لم يقع!! وتكون المصيبة قد حلت وهو لا يدري، أو يدري، ولكن يبرر لنفسه أن الشبهة تدفع الحد، أفلا ترفع طلاقاً؟؟!.

 

سمعت أحدهم من هذا الصنف يسأل؛ فصعقت أنه يمارس حياته الزوجية وله أولاد كثر جاءوا بعد (مائة طلاق) على الأقل، إذا كان 'كلما لط الكوز في الجرة' يطلق زوجته (أنت طالق...) بدعوى أنه غضبان، وعندما علمت المسكينة بالأمر كادت أن تقع مغشية عليها، وقد أجهشت بالبكاء... أليست مصيبة؟؟!! بلى، خاصة بعد أن علمت أن علاقتها به غير شرعية، ولا عذر لهما بالجهل.

 

ولعل الأغرب أن هذا يردده غير المتدينين، وهم يلعبون الزهر أو ورق الشدة، الكثير منها يقع طلاقاً صحيحاً، والقليل لا يقع وبالتالي فإن العلاقة الزوجية تصبح في حق مع وقع منهم الطلاق الصحيح حراماً، خاصة إذا تجاوزت الثلاثة، والأغرب منه أن يقع من بعض المتدينين، والذين لهم دراية في الفقه!! وهنا يبرز سؤال: أليس هذا يستحق أن يراجع المدمنون أنفسهم على الحلف بالطلاق وأن يفطموها عنه، ويكفوا ألسنتهم؟؟ فالعلاقة الزوجية تستحق أن نحفظها من ذلك، ثم أليس في الحلف بالله ما يسعنا أن نعبر به عن إرادتنا وتصميمنا ؟ وعند الوفاء فهناك كفارة، لن تبلغ حد هدم الأسرة، ولا يشوب انتساب الأولاد شائبة حرمة!!