الحرب الأخطر

نشر 14 يناير 2010 | 08:47

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

هناك حرب لم تتوقف أبداً بيننا وبين يهود ، ولن تتوقف أبدا وإن توقفت المدافع والصواريخ ، ولعلها الأخطر علينا ، لأننا في موقف الدفاع دائماً، وهم يهجمون علينا دائماً، تتنوع لديهم  أساليب الهجوم ، وأما أساليب الدفاع وأنواعه عندنا فثابتة . ولعل الثابت الأكبر هو اسم هذه الحرب ( من يملك الجيل القادم ) أقصد من الفلسطينيين ؟ فلقد دأب يهود إلى أن يصلوا إلى مواقع صناعة القرار في كل دولة ، وها نحن نرى نجاحاتهم في أوروبا وأمريكا ، وهما بدورهما نجحتا في الوصول إلى مواقع صناعة القرار في عالمنا العربي تحديداً، وبالتالي فلا غرابة في أن يصدر قرار عربي بقطع لسان يجرؤ أن يقول لـ(إسرائيل): لا ، ولا غرابة في أن تمتلئ السجون العربية بالرافضين للأنظمة العربية ، والذين –هم في الواقع – رافضين للسياسة الأمريكية، التي هي في الواقع مسخّرة للسياسة الإسرائيلية ، لا يقلق هذه المنظومة أكثر ما يقلقها من يرفض وجود (إسرائيل) في  القلب العربي ابتداء ، فضلاً عن رفض سياساتها ويقف في وجه مخططاتها وأهدافها، التي لن تقف عند حد ، إن من عرف العقلية اليهودية يدرك خطورة هذا الأمر ، وبنظرة سريعة إلى الخلف نرى أن أوباما لا يملك أن ينفذ ما وعد به رغم أنهم ألجموه بنوبل للسلام ، وهو لم يزل يحبو على دربه ، فيما بدا أن الأمر كان مدهشاً حتى للرجل نفسه ، والمدقق لا يرى في ذلك مصادفة قط ، فإن الرجل قد جاء من لون مرفوض في الذهنية الأمريكية ، ويحمل إرثاً هائلاً من الإحساس بالذل والظلم والنبذ ، حتى وإن بدا وكأنه يملك كل ألسنة البشر، ولكن حقيقة الأمر أنه قد وجد نفسه معلقاً في الهواء لشدة ما رفعوه، ولا يملك من أدوات الهبوط بسلام إلا على كومة من القرارات المعدة من قبل مراكز استراتيجية يسيطر عليها يهود أو صهاينة، أشد ولاء لـ(لإسرائيل) من غلاة متطرفيها من أمثال شارون أو نتنياهو أو تسيفي ليفني حتى من ديفيد بن غوريون .. تلك المراكز التي أعدت وخططت ونفذت تدمير بغداد وما كان على بوش إلا التنفيذ ، وكذا كل رئيس ، وليس أوباما بدعا من رؤساء أمريكا، فإن الذي يسير السياسة الأمريكية وعلى رأسها أوباما وليس ذلك خافياً، هي ( حكومة ظل ) وكما قالت صحيفة الايكونوميست وهي كبرى الصحف الأمريكية المملوكة لعائلة روتشيلد اليهودية التي صنعت (إسرائيل) : (إن أحداً لم يعد في مقدوره أن يناقش أن هذه المراكز اصبحت بذاتها حكومة الظل ، وأنها الحكومة الخفية الحقيقية التي تصوغ القرار السياسي وتكتبه ، ثم تترك التوقيع عليه للرئيس ومعاونيه الكبار في الإدارة) إلى هذا الحد... وهنا يطرأ سؤال : تر ى هل يمكن أن تحقق المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ما يتمناه الطرف الفلسطيني ؟ بالقطع : لا !! إذن ما هذا الحرص بالإدارة الأمريكية على أن تستانف السلطة مفاوضاتها مع نتنياهو ، وحرص نتنياهو على ذلك ؟ والجواب يأتي من دينس روس الذي يعود نجماً في سماء المفاوضات :(نحن يهمنا استمرار مسيرة السلام (بالتفاوض) لا أن نصل إلى نتيجة لتلك المسيرة) !! ثم خلق وقائع جديدة .. وسؤال آخر :  ماذا يملك الفلسطيني حيال ذلك ؟ لا يمكن إلا أن يكون منفذاً !! قد يرى البعض في ذلك تجنياً !! فأقول : له الحق؛ فيما لو غاب عن ذهنه بأن المفاوض الفلسطيني يعتمد في وجوده على المال الأمريكي؛ أي الصهيوني ، والمال كما يقال : هو صانع الحرب وصانع السلام

 

فهو اللسان لمن أراد فصاحة           وهو السلاح لمن أراد نزالاً

 

وهو الاقدام والأرجل التي تمشي وتجري بها السياسة ، وبالتالي فلا إمكانية للمفاوض الفلسطيني في الوقوف في وجه ولي نعمته إذا أراد مخالفته ، ويصبح دور ولي النعمة كدور مشتر لما يملك من يمد يده ليقبض ( العطايا ) و ( الهبات) و( الدعم ) ولا تكون مطالب المنعم إلا إملاءات لا يملك الطرف الآخر إلا التنفيذ ، إن هذه الحرب لا بد أن تبلغ أهدافها لصالح المانح ، قطعاً، هو انتصار سهل لـ(إسرائيل)، فلن تكون هناك دولة ، ولن يكون هناك عاصمة ، ولن تتوقف مستوطنات، ناهيك عن زوالها !! وبهذا فلا بد أن يدرك المفاوض الفلسطيني ذلك، ويتوقف عن هذا العبث الذي تجعل منه صهيونياً بالفعل وبالقوة سواء أعلم ألم يعلم. وهنا يقفز سؤال : ما البديل ؟ والجواب سهل وبسيط ، لابد من التوجه إلى مصالحة جادة ، ولا بد من وقف هذا الانهيار والهوان ، لابد من برنامج جامع لشعبنا يعزز مقاومته لهذا المخطط الاستحواذي على صناعة القرار الفلسطيني، ولا بد من استثمار طاقات شعبنا حتى وإن وفرت الحد الأدنى من ضرورات الحياة ، فلا بذخ ، ولا ( برستيج) خادع وزائف ، ولابد من تعزيز تمسك شعبنا بحقه وقدرته على الوصول إلى أهدافه ، وكل هذا يقتضي بناء جيل يؤمن بكل ذلك، وانقاذه من هذه الحرب المتصلة المستعرة حتى وإن توقفت المدافع ، وأبرمت اتفاقيات السلام ... إنها حرب من يملك الجيل الذي سيصنع القرار.