د. عطا الله أبو السبح
رجب طيب أردوغان سيقف التاريخ عنده طويلاً ، وسيتحدث عن مواقفه الشجاعة بكثير من التقدير والإعجاب ، بعد أن أخذ مكانه بين أكثر رجال الحكم في قرننا – وأكاد أقول : في القرن الفائت – جرأة في مجابهة الوقاحة اليهودية ، لقد كانت لمواقف أردوغان رجولة بكل معايير الرجولة من إيمان بالمبدأ ، وصدق في السلوك والتطبيق ، والثبات بلا تردد أو وجل ، كان معتزاً بإرثه الحضاري والإنساني ؛ فهو سليل أمة دانت لها أمم وممالك ، وانحدر من أرومة بابها عال ، وخلقها أبي ، حتى وان حاد بعضهم فأخذته تيارات ودوامات أودت بإمبراطورية كانت تحسب لها كل الحسابات ، وها هو أردوغان يعيد لها ألقها ومكانتها تحت الشمس . كان أردوغان في دافوس ، بعد أن وصم بيريس بالجريمة ، وكشف الزيف الأخلاقي اليهودي ، فرآه العالم مجرما ، على فمه دماء أطفال غزة ، وتحت قدميه أشلاء نسائها وشيوخها ومرضاها وجرحاها ، لقد خلب أردوغان الألباب بإلغاء المناورات الجوية التركية الإسرائيلية ؛ لأن الأخيرة تقذف بالموت على شعب مستضعف هو شعب غزة ، حتى تمنى كل عربي وكل عربية أن يكون أردوغان زعيمه ، أو يسلك زعيمه سلوكه ، فلم تعد جرائم يهود خافية ، ولم يعد السكوت عنها مجدياً ، أو مصدر حكمة وشرف ، بل انه جبن وعار وعجز . لقد بهر أردوغان العالم بإغلاقه الأفق والفضاءات أمام قاعدة انجرليك ، قاعدة الناتو الرهيبة بكل ما تضم من ترسانة حربية من طائرات وبوارج ، فلم يسمح لها أن تضرب العراق ، وكان سلوكه في ذلك حضارياً وديمقراطياً ، نال التقدير والاحترام كزعيم يحترم أمته وإرادتها ، ويقف في وجه الظلم والجبروت الأمريكي الذي هو في حقيقته صهيوني لئيم . ثم بهره بسياسته غير المرتهنة للمال السياسي والمساعدات الرخيصة المذلة ، وارتقى باقتصاد بلاده حتى أخذت تزاحم الكبار ، ليحظى الاقتصاد التركي الصاعد – في عهده – بالقبول في الأسواق الدولية بما يعود على الميزان التجاري التركي بالمليارات ، كما بهر العالم بقدرته الفذة في فتح أسواق جديدة من خلال اتفاقات ومواثيق أبرمها مع دولة كإيران ، لم تكن في حسبان أحد من زعامات لها عشرات السنين في سدة الحكم ، وتقود شعوبها إلى منحدرات جعلت بعضها في ذيل الأمم وأضعفها ، وأكثرها تسولاً ، ومن ثم رضوخاً لرغائب الصهيونية حتى ولو كان ذلك على حساب مصالح بلادهم وشعوبهم . أردوغان يرى في إرثه الحضاري والإنساني نداً لحضارة مدعاة مستبدة عدوانية ، ومن هنا وثق به شعبه والتف حوله ، بل واحتشد بالملايين ليستقبله ؛ قائداً فاتحاً فذاً عند عودتهَِِ من دافوس ، واقبل شعبه على إسناد كل فكرة أو مؤسسة تقف إلى جانب المستضعفين والمظلومين كما يقف ، وهو ما يفسر هذا الدعم غير المتناهي لغزة ، ولعل قوافل الأتراك تترجم هذا السلوك ترجمة فصيحة بليغة وسهلة يقرأها حتى الأميون ، وتثير حنق الصهاينة وأذنابهم . كانت قوافل الأتراك قوافل قلوب ومبادئ وإباء ، فيها إصرار وعزيمة واستمرارية ، وحرص على مجابهة الظلم اليهودي ، ورفعه عن شعبنا ، قد يجد فيها الإعلام المأجور مادة للخوض وإدانة لغزة بأنها مرتبطة إقليمياً بتركيا ، ذلك الخوض السخيف ، وبالتالي تحريش وكلاء المشروع الصهيوني بضرب هذه المساعدات والمطالبة بإغلاق مكاتب أل (ihh) التي تعنى بتقديم ما يبقي على المحرومين في غزة ويضمد جراحاتهم . يقف أردوغان اليوم ليطرح سؤالاً على (إسرائيل) : لماذا تقصفون غزة ؟ هل لأنهم يضربون الصواريخ ؟ طرحه بغير مبالاة بغضب تل أبيب ، التي يحرص زعماء المنطقة على إرضائها حرصهم على محو ( لا للصهاينة ) من القاموس وخاصة الفلسطيني ! ويصرخ بملء حنجرته : إن (إسرائيل) تمثل خطراً على السلام العالمي ، ويطالب بجرأة بإصلاح الأمم المتحدة ، إذ يراها ، ويرى قراراتها بلا قيمة إذا لم تكن في صالح (إسرائيل) ، ويحصي منها مئة قرار لم تنفذ (إسرائيل) واحداً منها وقد نظرت إليها باستخفاف وترك ، إذن فلتصلح الأمم المتحدة من شأنها ؛ مما أثار حنق تل أبيب ، ورأت في تصريحات أردوغان ما يجبرها على الرضوخ ، يسيء إلى نظامها الأخلاقي ( العدواني المجرم ) كما رأت فيه استعلاء منه على سادة الكون ، مما حدا بداني يعالون أن يجلس على كرسي أعلى من كرسي يجلس عليه السفير التركي في تل أبيب ، ويوجه إليه كلمات مهينة ومذلة ، بعد أن رفض مصافحته وخاطب الحضور بالعبرية قائلا: إن إسرائيل لا يمكن أن ترضخ للضغوط ، ولا تقل ندية وأهمية عن احد ، بل هي فوق الجميع ، وأنها لا تعتذر عن سياستها !! داني يعالون يمثل (إسرائيل) كلها كنظام لا ( إسرائيل بيتنا ) حزب داني ، نعم هو نائب ليبرمان ، لكنه يمثل السياسة التي تنتهجها (إسرائيل) منذ أن كانت ، هي العقيدة الصهيونية التلمودية ، التي تؤمن بسحق ما ليس بيهودي ، فهم حشرات وزواحف !! إن العالم ينظر إلى أنقرة ويسأل ماذا ترى سيكون رد تركيا أردوغان ؟ ترى هل سنسمع زعيماً عربياً يؤيده في مواقفه ؟ أم سينعقد مؤتمر قمة عربي قريباً ليشجب مواقف أردوغان العنصرية والتي تحمل عداء للسامية ! أرجو أن لا يعلن زعماؤنا حقيقة مشاعرهم تجاه أردوغان .