بقلم: د. عطالله أبو السبح
أما الصنف الثاني ، فذاك الذي لا يلزم نفسه بما يفتي به غيره ، فهو أمر طبيعي أيضا ألا يخلو منهم مجتمع ، فما أسهل الوعظ و ما أقسى الاتعاظ !! هي ظاهرة في السلوك البشري ، فالإنسان تتنازعه الرغائب و الكوابح ، فالأولى هو مفطور عليها بما لديه من غرائز ، و هي متعددة ، و له من الحواس ما يتطلع بها إلى إشباعها ، و قد لمس أدبنا ذلك لمسا حادا أيضا إذ قال :
والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا تـُرد إلى قليل تقنع ِ
و قال آخر :
النفس كالطفل إن تتركه شب على حب الرضاع و إن تفطمه ينفطم ِ
و الكوابح : نظرية و مثل ، و الصراع بين الرغائب و الكوابح يظل محتدما في النفس البشرية ، حتى لنجد رجلا في حكمة علي بن أبي طالب ، و في الهزيع الأخير من الليل يقول ، وأحسبه و هو يبكي : ( يا دنيا غـُــرِّي غيري )
و هناك فروق فردية تحكم البشر ، فمنهم من تنتصر رغائبه دوما ، و منهم من تنتصر أحيانا ، و منهم من يـُلزِمها ، و بقدر هذه الأحوال تنهزم كوابحه أو تنتصر ، والعاقل هو الذي يوازن بين الأمرين, فيما توفر لديه من إشباع مشروع ، وإلا فبالتطلع إلى إرضاء القوة الأعظم التي تحكم الكون ، و التي تجزي كل نفس بما كسبت ، فإذا استقر هذا الإحساس فإن جهاز المناعة و المقاومة يكون أقدر على تهذيب الرغائب و ترشيدها و توجيهها الوجهة السليمة ، و لا يمكن أن يتوفر كل ذلك لكل الناس على الدوام إلا أن تكون هناك حالات في حياة كل فرد منا ، تجذبه إلى أحد الطرفين بما يمكن أن يبدو تناقضا ما بين الإفتاء و الالتزام ، و ليس أشقى من ذلك الذي يستبد به التناقض و يكون سمة حياته و سلوكه ؛ إذ سيخسر كل قيمة ، ويراه الآخرون كذوبا غير مؤتمن .
وأما الذي يتنصلون من مبادئهم ، و هو الصنف الثالث ، فهؤلاء آفة المجتمعات ، والأضر عليه من أعدائه ، خاصة إذا وصلوا أن يكونوا - إلى حين – قدوة لغيرهم ، قبل أن تنكشف حقيقة أمرهم ، فبقدر ما احتلوا من قلوب يكون المصاب ، فمن كان في الرخاء فارسا يقارع الباطل اللاهي عنه بما يخلب الألباب ، فيجتمع حوله من أصحاب الفطر السليمة الرافضين للباطل ، و يصقل مشاعرهم ، و يحفز دوافعهم و يقود صفوفهم و جموعهم ، فإذا أطلت الشدة برأسها ارتعدت فرائصه ، و رأى في المجابهة – التي كان يدعو لها – تهوراً ، و الاشتباك – مع الباطل – انتحارا ، و يذهب إلى التساوق و التبرير و يدعو إلى التعقل حتى التماهي ، فإذا به جبان انتهازي, و لقد كان من أخلاق العظماء و في مقدمتهم الأنبياء أن لا يكذب الرائد أهله أبدا ، ولا يتناقض سلوكه مع ما يدعو إليه ، فكانوا ( العظماء ) وأما الآخرون فإلى ( ..... ) التاريخ.